السبت - 22 يونيو 2024

سؤال النهضة (٥) طبيعة المجتمع العراقي..!

محمد عبد الجبار الشبوط ||

انا مدرك لطبيعة او حالة المجتمع العراقي. وهي حالة التخلف الحضاري. واعني بالتخلف الحضاري، كما ذكرت سابقا، الخلل الحاد بالمركب الحضاري للمجتمع ومنظومة القيم العليا الحافة بعناصر المركب الخمسة وهي: الانسان والارض والزمن والعلم والعمل. يفرز الخلل الحاد في المركب الحضاري الكثير من الظواهر السلبية في السياسة والاقتصاد والاجتماع والدين والفكر والتربية والادارة والتكنولوجيا والعلاقات الدولية الخ.
ومن هذه الظواهر السلبية: الفقر، البطالة، ضعف القطاع الخاص، انخفاض انتاجية المجتمع، الاعتماد على مورد واحد، العشائرية، عدم قدرة المجتمع على انتاج احزاب سياسية كبيرة جامعة، انخفاض منسوب الثقافة السياسية عامة والديمقراطية خاصة، ضعف اللحمة الوطنية، هشاشة الدولة، الفهم الشعبي التقليدي للدين .. الخ
ثمة ظواهر سياسي- دينية تبدو متناقضة فيما بينها. هناك عدد كبير من الناس في ملتزمون بهذه الدرجة او تلك بالخط الديني. يقابلهم عدد لا يقل عنه من الناس المخالفين للدين ويرفعون شعارات مناهضة.
لا اريد ان اكرر ما ورد في الرسالة المنسوبة الى الملك فيصل الاول والتي يقول فيها: “أقول وقلبي ملآن أسى، أنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء، ميّالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتفاض على أي حكومة كانت”. لكن الصورة التي رسمها الملك للمجتمع العراقي ليست بعيدة عن الحقيقة اليوم.
وللخروج من هذه الصورة، فاني اخاطب الفريقين الاساسيين في المجتمع العراقي: فريق المتمسكين بالدين، وفريق غير الدينيين
الذين قد يلقبون بالعلمانيين او المدنيين. وهدفي الا يكون التمسك بالدين او رفضه عقبة في وجه محاولات الخروج من حالة التخلف الحضاري، واسعى الى اخذهم الى دائرة يمكن ان تجمعهم على كلمة سواء. و قد اطلقت على هذه الدائرة عنوان: الفهم الحضاري للقران او للدين عموما وهدفي ان يتقبل الطرفان في نهاية المطاف هذا العنوان.
وما دام الدين مؤثرا في حياة الناس، كما هي الحال في العراق، فان اي جهد لمعالجة التخلف الحضاري في المجتمع العراقي يجب ان يتعامل مع المسألة الدينية بطريقة صحيحة وسليمة ومنتجة للتغيير الحضاري.
واجهت مجتمعات اخرى هذه المسألة من قبل، وسلكت احد طريقين: اما التطرف لصالح الدين، وبالتالي الدعوة الى اقامة دولة دينية بغض النظر عما يمكن ان تلعبه هذه الدعوة في معالجة التخلف ، او التطرف ضد الدين بالدعوة الى الدولة العلمانية او اللادينية بغض النظر عن الدور الذي يمكن ان تلعبه هذه الدعوة في معالجة التخلف. وبالتجربة وبالتحليل الواقعي اتضح ان الدعوتين ليستا صالحتين للمجتمع العراقي. لان ايا منهما لا تشكل مساحةً مشتركة ، وسيادة احديهما تؤدي الى اكراه الثانية. وهذا خلاف المطلوب.
ومن هنا جاءت دعوتي الى الدولة الحضارية الحديثة باعتبارها الطريق الذي يوفر ستراتيجية خروج من حالة التخلف الحضاري. ومن متطلبات هذه الدعوة امران: الفهم الحضاري للقران، والذي به يتحول الدين الى قوة رافعة للتغيير الحضاري، والنظام التربوي الحديث الذي به تتحول المدرسة الى حاضنة للقيم العليا الحافة بالمركب الحضاري. ومعنى هذا اننا سنوظف الفهم الحضاري للقران والعلم الحديث في معركة القضاء على التخلف.
سيقول العلمانيون ان الدين مسألة شخصية فلماذا تزجه في عملية القضاء على التخلف،؟واقول لهم حتى لو سلمنا ان الدين مسألة شخصية، فهذا الشخص المتدين اليس عضوا في المجتمع؟ الا يؤثر فهمه للدين على سلوكه في المجتمع وعلى علاقاته الاجتماعية وعلى ادائه في اي موقع او دور يقوم به؟ الا تؤدي الممارسات الدينية الى خلق ظواهر اجتماعية ؟ الجواب على كل هذه الاسئلة هو: نعم. وعليه فيجب ان يحمل هذا الفرد فهما حضاريا للقران والدين ليكون عاملا ايجابيا في التغيير وليس العكس.
ختاما، انني ازعم ان اية ستراتيجية للتغيير لا تأخذ بنظر الاعتبار الفهم الحضاري للقران والعلم الحديث ستفشل في تحقيق اهدافها.