الأربعاء - 12 يونيو 2024
منذ 3 أشهر

د.عامر الطائي ||

في خضم الحياة وتقلباتها، تتجلى حاجة الإنسان إلى الهداية والعلم، وكأن الروح تبحث عن نور في ظلام دامس. وهنا، تبرز قصة أيتام آل محمد كمنارة تضيء دروب الضالين والباحثين عن الحقيقة. هؤلاء الأيتام، كما ورد في التفاسير والأحاديث، ليسوا يتامى الأبوين بالمعنى التقليدي، بل هم يتامى الهداية والعلم، المنقطعون عن معين العلم الرباني الذي يجري من آل البيت عليهم السلام.
يروى في التفاسير المنسوبة إلى الأئمة عليهم السلام، أن الفقيه، العالم بدين الله وشريعته، يوصف بأنه الكافل لأيتام آل محمد. فهو الهادي لضعفاء محبيهم ومواليهم، وهو من يقف يوم القيامة شفيعًا لكل من تعلم منه أو أخذ عنه. هذا الوصف يرسم صورةً للعالم بأنه ليس مجرد معلم، بل هو ولي أمر وراعٍ للهداية الروحية والفكرية للمؤمنين.
وفي هذا السياق، يظهر أن كل مسلم، في جوهره، يعد يتيمًا من أيتام آل محمد، يبحث عن الهداية والعلم ليجد طريقه إلى الله. وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أنه مع علي عليه السلام هما أبوا هذه الأمة، ما يعكس الدور الأبوي لهما في توجيه ورعاية المسلمين نحو الحق.
وتأتي أهمية الفقيه أو العالم الديني في هذا السياق كمن يكفل يتيمًا من هؤلاء الأيتام، فعمله في تعليم الناس وهدايتهم يعد بمثابة ضربة قوية لإبليس، أكبر من عبادة ألف عابد. لأنه بتعليمه وهدايته، يقوم بإحياء الأمة ويجعلها متصلة بمصدر هدايتها وعلمها، وهو ما يشكل أساس البقاء والتماسك لهذه الأمة.
إن يتم الانقطاع عن الإمام والعلم بشرائع الدين يُعد من أشد أنواع اليتم، وهو يتم روحي وفكري يحتاج إلى رعاية وتوجيه. وفي هذا الزمان، حيث تتعدد المصادر وتتشعب المعلومات، يبرز دور العلماء والفقهاء في إرشاد الناس وكفالتهم، ليس فقط بالعلم الشرعي، بل بالحكمة والأخلاق التي تجعل من المؤمن مثالًا يحتذى به في مجتمعه.
إن احتياج الأمة إلى السياسة والرئاسة، إلى النظم والناظم، يعكس الحاجة العميقة إلى الهداية والتوجيه في كل مناحي الحياة. وكل أمة تفتقد إلى الزعيم البصير، تضمحل قدراتها وتفقد بوصلتها. فلسفة الكفالة لأيتام آل محمد هي دعوة لكل مسلم ليكون فقيهًا في دينه، عالمًا بشريعته، هاديًا لنفسه ولأخيه، لتبقى الأمة متماسكة، متعاونة، وفي تقدم دائم نحو الأفضل.