الخميس - 20 يونيو 2024

محمد عبد الجبار الشبوط ||

الاصل في المجتمعات البشرية بصورة عامة انها تتقدم وتتطور وتتحسن طبيعة معيشتها وتزداد معارفها بفعل النزعات الغريزية في الفطرة الأنسانية والعلاقة التبادلية بين الإنسان والطبيعة .
واعني بذلك انها تواصل العمل من اجل الابداع والابتكار وتنمية الانتاج وتحسين نوعية ومستوى حياتها وتزداد علما ومعرفة عن طريق التجربة والتأمل واعمال العقل.
هذا كله مما تبرهن عليه سيرة المجتمعات او الجماعات البشرية منذ وجد الانسان العاقل على الارض قبل مئات الالاف من السنين والى اليوم. صحيح ان التقدم العلمي والتكنولوجي كان بطيئا في البداية لكنه اخذ يتسارع بشكل يقطع الانفاس منذ ٥٠٠ سنة والى اليوم. يمكن تقديم برهان على هذه المقولة من خلال عدة نقاط:
1. *الفطرة الإنسانية والحاجة للتقدم:* الرغبة في التحسين المستمر لظروف الحياة هي غريزة بشرية، حيث يسعى الأفراد دائمًا لتحسين جودة معيشتهم. هذا التوجه الفطري يدفع البشر لتبني الابتكارات والاستفادة من الموارد المتاحة بأفضل شكل ممكن.
2. *التفاعل مع الطبيعة:* تقوم الحضارات والمجتمعات بتطوير مهاراتها ومعارفها من خلال التفاعل المستمر مع البيئة. هذا التفاعل يقود للابتكار والتطور في مجالات مثل الزراعة، الهندسة، والطب.
3. *العلم والمعرفة:* مع مرور الزمن، تبني المجتمعات أرصدة من المعارف، والتي تتم مشاركتها وتحديثها عبر الأجيال، مما يؤدي لتسارع وتيرة التقدم وتحسين الظروف المعيشية.
4. *التكنولوجيا:* التطور التكنولوجي نتاج مباشر للفطرة الإنسانية المتجهة نحو البحث عن حلول أفضل وأكثر فعالية للمشكلات، مما يقود إلى تحسينات في مختلف أشكال الحياة.
5. *التأثير التراكمي للابتكار:* كل ابتكار جديد يُبنى على ما سبقه من اكتشافات وابتكارات، مما يخلق تأثيرًا تراكميًّا يعزز من التقدم المستمر للمجتمعات.
6. *التحديات والضغوط البيئية:* التحديات البيئية، كندرة الموارد والكوارث الطبيعية، تُعطي الدافع للابتكار والبحث عن حلول مستدامة.
7. *التفاعل الثقافي والتجارة:* التبادل الثقافي والتجاري بين المجتمعات يعزز من انتقال الأفكار والمعارف، مما يساهم في تسريع التقدم.
مثال على ذلك، الثورة الصناعية التي كانت نقطة تحول في تطور الحضارة البشرية، إذ أدت إلى تغيرات جذرية في الإنتاج وأساليب العمل، ونتج عنها زيادة في الثروة وتحسين في نوعية الحياة.
بهذا نرى أن النزعات الغريزية للإنسان واستجابته لضغوط البيئة تلعب دورًا أساسيًا في دفع عجلة التقدم والتطور في مجتمعاته، وهي الأسس التي تبرهن على صحة المقولة أعلاه.
فعلي الجانب السياسي، مثلا، وجدنا كيف ان المجتمعات البشرية تطورت من العائلة البدائية الى العشيرة والقبيلة، الى دول المدن، الى الدول القومية، وهكذا.
كما تطورت المجتمعات البشرية من الديمقراطية البدائية الى ديمقراطية المجلس الى الديمقراطية التمثيلية، وما زالت الخبرة البشرية تقدما انواعا متطورة من الممارسات الديمقراطية.
وفي الجانب التكنولوجي رأينا كيف ان البشرية كيف بدأت مسيرتها بصقل الحجارة لصنع سكاكين او اسنة رماح بدائية لتصل اليوم الى سبر اغوار الفضاء وتصوير المجرات البعيدة عن طريق تلسكوب جيمس ويب الفضائي.
ونلمس جوانب التقدم العلمي والتكنولوجي في المجتمعات المتقدمة في كل نواحي الحياة في الاسواق والمدارس والمستشفيات والدوائر الحكومية والمؤسسات الاهلية.
وكل هذا من ثمرات الثورة الزراعية و الثورة الصناعية والثورة التكنولوجية وثورة المعلومات. وليس في الافق ما يشير الى نهايات لهذا التقدم والتطور المستمرين بشكل تصاعدي كبير.
وكأن ما يحصل هو ترجمة عملية لقوله تعالى: “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ”. (فصلت 53)
وتزامن كل هذا مع التطور الروحي والعقلي للانسان الذي مكنه من تقبل “الامانة” التي عرضها الله عليه عرضا تكوينيا، فجعله الله خليفته في الارض المكلف بادارة شؤونها، كما في قوله تعالى:”وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ” (البقرة 30)، وقوله تعالى:”إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا”. (الاحزاب 72)

يتبع