الأربعاء - 12 يونيو 2024

من غالاوي إلى «غير ملتزم»: فلسطين في الديمقراطيات

منذ 3 أشهر

محمود الهاشمي ||

يعتبر انتصار جورج غالاوي، الفائز في الانتخابات الفرعية للبرلمان البريطاني عن بلدة روتشديل في شمال إنكلترا التي يشكل المسلمون نسبة 30٪ من سكانها، انعكاسا مباشرا وحادا للموضوع الفلسطيني، متمثلا في الحرب الإسرائيلية الجارية على قطاع غزة (وتداعياتها في الضفة الغربية ولبنان واليمن وسوريا والعراق) وكان لافتا أن الدعوة إلى إنهاء العدوان على الفلسطينيين كانت إحدى أهم النقاط التي طرحها غالاوي في برنامجه الانتخابي، والذي علّق بخطاب إلى كير ستارمر، زعيم حزب العمال، قال فيه: «هذا الانتصار من أجل غزة» مضيفا: «ستدفعون ثمنا باهظا للدور الذي لعبتموه في السماح بوقوع وتشجيع والتغطية على الكارثة التي تشهدها فلسطين المحتلة حاليا في قطاع غزة».
تصويت الجمهور كان انتقاميا من موقف حزب العمال، الذي يتزعمه كير ستارمر، الذي قام بسحب مرشحه أزهر علي، على خلفية الموضوع الفلسطيني أيضا، بعد تصريحات له اتهم فيها إسرائيل بالتواطؤ في هجوم «حماس» في 7 تشرين أول/أكتوبر الماضي، وهو ما دفع «العمال» إلى طرده مستخدما «الشمّاعة» التقليدية لأي نقد يمسّ إسرائيل: معاداة الساميّة، وقد نسي الحزب العتيد أن هذا التصريح حصل مثله من قبل رئيس وزراء إسرائيل نفسه الذي اتهم قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بإخفاء هجوم «حماس» عنه (ثم اعتذر عن ذلك طبعا). كان التصويت أيضا إعلانا عن الحركيّة السياسية للفلسطينيين والمنظمات المناصرة لهم في بريطانيا.
هزّت الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين الساحة السياسية في بريطانيا، وهو ما دفع الحزب الوطني الاسكتلندي إلى طلب التصويت على قرار في البرلمان البريطاني يطالب بوقف إطلاق النار في غزة، ووقف العقاب الجماعي للفلسطينيين، وأدى ذلك إلى مناورة بائسة لحزب العمال سمح فيها رئيس البرلمان بتعديل يحذف فقرة «العقاب الجماعي» وكانت سابقة برلمانية خطيرة ما تزال آثارها تتداعى. من تلك الآثار كانت مزاودات أنصار إسرائيل في حزب المحافظين ضد عمدة لندن صادق خان، مما أدى لاضطرار الحزب بتعليق عضوية أحد نوابه، ووصف خان التعليقات بأنها «عنصرية ومعادية للإسلام والمسلمين».
حصل أمر يشبه ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية، ففي حين بقي التفضيل لإسرائيل واضحا في الحزب الجمهوري (كما في نظيره البريطاني: حزب المحافظين) فقد ازداد الانقسام داخل الحزب الديمقراطي، وانطلقت ضمن المؤيدين لوقف الحرب حملة في ولاية مشيغان التي يقطنها عدد كبير من الأمريكيين العرب، للتصويت بـ«غير ملتزم بمنح صوتي» وهو ما أدى لتسجيل نحو 100 ألف صوت «غير ملتزم» ورغم أن هذا التصويت لم يطح بحظوظ الرئيس جو بايدن في انتخابات ترشيحه للرئاسة فإن الحملة أدت، كما تقول صحيفة «الغارديان» إلى «هز البيت الأبيض».
يمثّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مثالا آخر على التغيّرات التي طرأت في الديمقراطيات الغربية، فموقفه الحالي المطالب بوقف فوري لإطلاق النار يعاكس المواقف البئيسة لحكومته في بداية الحرب، والتي عملت على خلق جو إرهاب فظيع ضد أي منتقد لإسرائيل تحت مزاعم «معاداة السامية».
هذه التغيّرات السياسية في الغرب نجمت، بشكل رئيسي، عن النضال الكبير الذي قامت به الجاليات الفلسطينية والعربية، وكذلك المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان، مثل أمنستي وغيرها، وانتشر، ضمن كافة وسائل التأثير، من التظاهر المتواصل أسبوعا بعد آخر في الشوارع، إلى التعبير والضغط في وسائل التواصل الاجتماعي، وعبر إرسال الرسائل إلى النواب، والمشاركة في استطلاعات الرأي، والتبرعات وغير ذلك.
تشق هذه التطورات لصالح فلسطين ضمن بلدان الديمقراطية الغربية، وداخل النخب الوازنة سياسيا التي كان دعم أغلبها لإسرائيل واضحا (أمريكا، بريطانيا، ألمانيا، المجر الخ) طريقا لأنصار العدالة وحقوق الإنسان في العالم يسمح بإجراء تغييرات على طبيعة النخب، وأيديولوجياتها، كما تبرهن للجاليات العربية والفلسطينية أهمية النضال والدفاع عن حقوقها.
تظهر هذه التطورات، من جهة أخرى، العطب الكبير الذي أصاب المنظومة العربية، وجعل قوى وازنة فيها، أقرب لإسرائيل منها للفلسطينيين، وهذا، للأسف، أحد أسباب إحساس الحكومة الإرهابية الإسرائيلية بإطلاق يدها في المجازر.