الأحد - 16 يونيو 2024

حسن كريم الراصد ||

كعادته .. كان بسيطا جدا .. دمثا ودودا وحتى تشعر بأنه خجولا من شدة أدبه .. أستقبلنا عند الباب مرتديا لباسه الذي أنقرض في بغداد ولا تجده الا في بعض أطرافها.. صاية وجاكيت وعباءة جنوبية سومرية وسمرة تعلو محياه . ولولا فخامة المنزل الحكومي المخصص له كرئيس وزراء سابق لشعرت أنك في حضرة رجل خرج اليك من بطون العقد الثالث من القرن الماضي ، ولأستحضرت كلما جرى في تلك الحقبة وما تلاها. أنه يعيد ذهنك مرغما الى أصالة الجنوب … الى الغراف … الى ابو هاون .. الى السيد المنتفجي العطشان .. كنت قد فارقته لفترة أمتدت لعشرة أعوام فوجدته شيخا بلغ الثانية والثمانين ولكنه ظل يمتلك تلك النظرات المحدقة التي كأنها تتفحص خبايا نفسك . تحدث فكان هو هو لم يتبدل منهجه ولم يتحول عن ثوابته. يتحدث بعموميات كلية ويتجنب الصغائر الجزئية . العراق معشوقة والعقيدة هاجسه والدين همه حشداوي حد النخاع . لم أره مستفزا مثلما تحدث أحد الحضور فوصف الحننند بالسلاح المنفلت فصمت وأطرق متألما ثم أجاب بلطف وأجاب : أما أن نعدل بالحكم على جميع المسميات أو نصمت . فأن وصف سلاح الحننند بالمنفلت عندها يكون سلاح البيشمركة منفلت وسلاح حززززب الله في لبنان منفلت وكذلك ما تكون من قوة شعبية في الولايات المتحدة منفلت وجيش الدفاع الأسراااائلي منفلت وهكذا ..ثم اردف أن جميع الدول لديها ميليشيات منضوية تحت عباءة الحكومات فلماذا ذلك حرام على حننندنا ؟؟ ثم غاص بالاقتصاد فنسفت بساطته بفخامة عباراته واناقة مفرداته التي تنم عن خبرة قد لا تجدها عند الكثير من قادة المرحلة . وعرج على أمريكا فوجدته يعتبرها شر مطلق لا يمكن أن تكون هنالك تنمية مستدامة الا بالتخلص من فلكها . وضرب أمثلة حية فوصف البلدان الدائرة بهيمنتها كدول الخليج بالسجين الذي منح أمتياز عن رفاقه من خلال إخراجه لاشعة الشمس وزيادة في وجباته فاعتبر ذلك التميز هو الغاية ونسي أنه يجب أن يكون حرا خارج أسوار السجن .. وكلام كثير وحكم وعبر تنم عن نضوج واكتمال يطرق مسامعك فتتألم لما جرى على هذا الرجل وكيف لا تستثمر هذه الخبرة وتبقى كبئر معطلة لا يستفاد من عذب ماؤها.. ساعتان ونصف مرت بسرعة فائقة ليودعنا بنفس الحفاوة والاحترام وليصر على ايصالنا للباب .. عدت وأعدت التفكير بحديثة وبحثت توصيفا فلم أجد افضل من وصف هذا المنتفجي بالصندوق الأسود الذي رمي بعيدا وغاب عن عيون أولي الحل والعقد تكبرا وحسدا عندما أطاحوا به وأتوا بما لا يقارن به ولعمري كيف سيسرد التاريخ ما جرى في تشرين عندما أستبدل عبد المهدي الضاربة جذوره بعمق التاريخ بالكاظمي الذي لم نجد له أصل الى الآن .