السبت - 22 يونيو 2024
منذ 4 أشهر

د.أمل الأسدي ||

بعيدا عن تكرار ما قيل عن حفلات التخرج وانتقادها، وبعيدا عن مهاجمة الطلبة والتعدي عليهم، وبعيدا عن تجميع المشاهد المثيرة والشاذة من حفلات السنوات السابقة والسنة الحالية وعرضها من أجل تضخيم الموضوع والإساءة إلی الواقع التعليمي برمته، دعونا نشخّص الخلل ونحدد المشكلة ونقدم المعالجات المناسبة، فمن غير المعقول أن ننتظر من الطالب الالتزام والانضباط في حفلات التخرج؛ وهو متحرر ولايراعي أية ضوابط علی مدار أربع سنوات!
فالزي الجامعي الموحد قد تم تعليقه ولاندري ما السبب؟! والطلبة يلبسون ما يحلو لهم من دون نصيحة أو متابعة أو مساءلة!
والطالب منذ دخوله الجامعة حتی تخرجه لايسمع شيئا عن معنی الحرم الجامعي إلا ماندر!
ولايشاهد لوحةً تربوية تبين له معنی الحرم الجامعي، ولا أحد يوجه إليه المحفزات التي تحثه علی الالتزام، وعلی اعتياد الالتزام!

إن القيم الأخلاقية والفضائل تبقی عائمةً فضفاضة، نظريةً، غير واقعية؛ مادامت بعيدة عن التطبيق وعن إنزالها الی الواقع كقوانيين تضبط سلوك الفرد، سواء كان طالبا أم موظفا أم غير ذلك؛ لذا وجب علی الوزارة والمؤسسات التعليمية والتربوية أن تقنن هذه القيم، وتفرضها علی الفئة المستهدَفة؛ حتی تحقق النظام، فانتظام السلوك يعني الرقي ويعني النجاح!
والشعوب تُصنع، إذ تعمل الدولة ومؤسساتها وقياداتها علی صناعتها وإنعاش وعيها وتثقيفها، وإلا فالتنظير لايجدي نفعا!
كما أن الانتقاد لوحده لايحقق شيئا، ومهاجمة الشباب لا تقدم شيئا، ومواجهة حالات الانحراف بالتنميط يزيد الأمر تعقيدا، ويخلق حالات من النفاق التي تنخر المجتمع، فقد شاهدت بنفسي الكثير من الطلبة يحتفلون ويرقصون ويتمايلون ثم يذهبون للمشاركة في محافل التخرج التي تقام في العتبات المقدسة!

دعونا نسأل الآن: من المسؤول عن بث الوعي بين الناس؟ وأين تكمن مصادر الوعي؟ ومن يعمل علی تفعيلها؟
من يربي هذه الأسر ويعلّمها أن هذه الأفعال مشينة؟ ومن ذلك أن تأتي الأم وتستعرض ملابسها الملتصقة القصيرة، وشكلها المبهرج في حرم جامعي؟
ثم تقلّد ابنتها ـ بملابسها المثيرة ـ قلادةً من الدولار؟
وكأن ابنتها راقصة تخرجت من أحد النوادي؟؟
ثم تستخرج طقما ذهبيها وتلبسه ابنتها أمام الكاميرات، وهذه حالات مقرفة، وتعكس حالا هابطة من الوعي والاستلاب، ناهيك عن أنها مؤشر خطير يعكس توجه المجتمع نحو الطبقية، فالطبقة الوسطی بدأت تنحسر وسيتحول المجتمع الی طبقة ثرية وأخری فقيرة!

فمن يخبر هذه الأم أو الأب أن ابنك قد تخرج من الجامعة؛ وهذا يعني أنه بدأ حياته الآن، فهل من المعقول أن يبدأ حياته بهذا الصخب وهذا التبذير وهذا الرياء وهذا التفاخر؟
ألا تخشون الله؟ هل هذا فهمكم للحرية؟
أين معنی” طالب العلم” في هذا الهرج؟
وأين معنی “الحرم الجامعي” في هذه المستويات؟

وأين دور الجامعات في خضم هذه الفوضی؟
فحفلات التخرج باتت ظواهر منتشرة تسيء الی سمعة التعليم في العراق، ويتخلل هذه الظواهر حالات مقرفة مشينة من السلوك، ونجدها في الجامعات الأهلية أكثر من الحكومية، وربما في التخصصات الإنسانية أكثر من العلمية!
فأين الوزارة وأين الجامعة وأين الكلية؟
وحتی ننتقل من التشخيص إلی المعالجة؛ دعونا نقترح بعض النقاط ومنها:
⭕ تفعيل قوانين الحرم الجامعي والسلوك الطلابي.(١)

⭕ منع حفلات التخرج داخل الحرم الجامعي والاكتفاء بالتقاط صورة التخرج من دون تشغيل الموسيقی والأغاني والأهازيج والأناشيد.
⭕ منع حضور الأهل مع أبنائهم، فحضورهم خلق حالات المنافسة والتفاخر من جهة، وخلق حالات من التجاوز والقيام بأفعال لاتنسجم مع الحرم الجامعي.

⭕ إذا احتفل الطلبة خارج الكلية، ووصل الی الكلية تصوير أو إثبات بإقامة هذه الحفلات؛ يُمنع الطالب من المشاركة في الامتحان النهائي، فهم وإن كانوا خارج الكلية،لكن عنوانهم “طلبة” وحضورهم الجماعي بزي التخرج يسيء الی سمعة الجامعات العراقية والتعليم العراقي، والطالب العراقي، والمجتمع العراقي!

⭕ منع الطلبة من استغلال حفلات التخرج في إعلاناتهم ودعاياتهم، ونعني الطلبة الذين يعملون في مجال الإعلام أو الإعلانات والترويج أو الفن.

⭕ منع الطلبة الراسبين بالغياب والمرقنة قيودهم من المشاركة في حفلات التخرج، فقد شهدنا مؤخرا حالات غريبة، وهي احتفال طالبة راسبة بالغياب، ممن يعملن في مجال الإعلانات والترويج، مما سبب إساءة للواقع التعليمي.

⭕ طرد المتعهدين بالحفلات من الكلية، ففي كل كلية متعهد يقوم بإعداد الحفلات وينسق لها، ويحضر آلات الموسيقی ويحجز القاعات وينظم لهم الصورة الخارجية،التي يحدث فيها ما يشوه صورة الشباب العراقي.

⭕ إعادة العمل بالزي الموحد، الذي يربي الطالب علی الانضباط والالتزام، ويقلل الفوارق الطبقية في المجتمع الجامعي.
⭕كتابة ديباجة مناسبة عن معنی الحرم الجامعي، وأهمية مراعاته واحترام الضوابط، وتُنشر في لوحات يتم إعمامها علی الجامعات والكليات والمعاهد الحكومية والأهلية.

⭕ إضافة مادة مختصرة كمعجم مصطلحات جامعية، تكون ضمن مادة حقوق الإنسان أوالدروس الثانوية، يضم المعجم التعريف بمجموعة من المصطلحات الجامعية، كتعريف: طالب العلم، الحرم الجامعي، الجامعة، الكلية، المؤسسة، الذوق، السلوك، النظام… الخ

هذه مجموعة من المقترحات التي تحفظ سمعة التعليم العراقي، وسمعة الطالب العراقي، وتواجه الحملات المُنظَّمة التي تستهدف الطلبة والواقع الاجتماعي في العراق، علی أمل أن يسعی المسؤولون إلی تطبيقها.

ـــــــــــــــــــــــ
١- ينظر: ملحق : تعليمات انضباط الطلبة في مؤسسات وزارة التعليم العالي والبحث … https://uoalfarahidi.edu.iq/image/7.pdf