الأحد - 23 يونيو 2024

شذرات مضيئة عن السيد صلاح الخرسان..!

منذ 4 أشهر

رياض الفرطوسي ||

وبه يليق الاحتفاء . كاتب واديب ومؤرخ محايد ومنصف يوثق الحقيقة بجدية وشجاعة . لا اعتقد ان هناك ما يكون اعظم من ان يعيش الانسان كريما وعزيزا بعقل واع وتفكير ناضج . هذا ما كان عليه السيد صلاح الخرسان عندما ولد بعد موته حيث يتم اكتشاف فكره وكتاباته ودراساته وتحقيقاته ولقاءاته من جديد.
اكبرت يومك ان يكون رثاء ‘ الخالدون عرفتهم احياء ( الجواهري )
هل نحن في حالة رثاء للسيد صلاح الخرسان ( العراقيون يبرعون ويبدعون في الرثاء لفرط معاناتهم واوجاعهم فقد رضعوا الرثاء مع الحليب في المهد ‘ دلول يا الولد ياابني دلول عدوك بعيد وساكن الجول ) ‘ ام انه استذكار لرجل لم يرحل ‘ اسس وعيا ثقافيا اسلاميا مميزا بكل المقاييس .واكب تطورات الوضع الاسلامي على مستوى مناقشة الفقه السياسي الذي من دعائمه ( الفقه الاسلامي ) حيث اعترضته الكثير من المعوقات السياسية والاجتماعية ‘ وقتها برزت نظريات اسلامية في الحكم والادارة ذات اهداف عقائدية وسياسية . ومع اشتداد الحاجة الى نظام حكم اسلامي اندفع علماء الشيعة الى ان يستخرجوا نظريات سياسية فقهية مستخلصة من العقل والشرع . وتم كتابة اسس احكام هذه الدولة المكونة من 33 اساسا . كان المرحوم السيد صلاح الخرسان يناقش هذه الافكار والتحولات ويحقق فيها وفيما رافقها من متغيرات سياسية عاصرت الحركة الوطنية الاسلامية . السيد صلاح الخرسان الذي لا يتكرر لانه ابن تلك المرحلة التي قاوم بها كل المغريات ‘ صامدا امام كل التحديات . كانت تلك الفترة بحاجة الى من يؤرخها لكي لا تبقى مخفية وتضيع وهذا ما كانت تريده السلطة . تختلف سرديات المؤسسات السياسية والدينية والاجتماعية عن سرديات المؤرخ المنصف لان الاخير يذهب الى المناطق المخفية والمعتمة. المؤرخ يحتاج الى عقل هادىء ورصين ليكتب من خارج مناطق الخلل وهذا امر صعب لان الكثير من الحقائق تكمن في الزوايا المنسية وفي التفاصيل المهملة وعادة ما يهمل بعض من المؤرخين هذه الامور. ومثلما بحث كارل ماركس في تاريخ الثورات في اوربا وما حصل فيها ‘ وكلود ليفي عالم الاجتماع الذي وصف بأنه خير من ارخ لتاريخ الاعراق على مر العصور ‘ وارنولد جوزف توينبي الذي من اهم انجازاته موسوعة دراسة التاريخ ومسألة الحضارات حتى جاء السيد صلاح الخرسان ليؤرخ لنا حقبة مهمة من التاريخ العراقي حيث فتح ملفات كانت مخفية ومطمورة ومسكوت عنها . اعُتبر قدوة لانه لم يخضع لتلك الظروف التي واجهها فالانسان كما يرى انه قادر على صناعة مصيره وان لا يستسلم ويرثي الظروف خاصة في بلد مثل العراق فيه قضايا معقدة كثيرة ‘ حيث نظام حزب البعث الذي كان يحكم قبضته على هذا البلد المتنوع والغني بكل شي. كان يؤرخ كل تلك التفاصيل من اجل ان تأتي الاجيال اللاحقة ويتوقفوا عند تلك التجربة المهمة من تاريخنا المعاصر . ربما يعجب البعض من محبة الناس لهذا الرجل الترابي حيا وحزنهم عليه ميتا . كانت علاقته رحمه الله بالاخر علاقة روحية امتزجت واختلطت بالوفاء والاخلاص والتضحية والنظافة النفسية .وهذه الامور كانت تحتاج الى انسان متماسك ومتصالح مع نفسه من الداخل وهكذا كان . تعلم الكثيرون على يديه وكبروا بينهما ‘ تذوقوا طعم التاريخ والبحث والسياسة مع كل ما كان يخطه ويكتبه ويؤرخه . رحل عن عالمنا لكن صوته وحضوره وكتاباته تعيش في ضمائرنا . لم نشعر يوما انه بعيد عنا حتى احتجزه الغياب والفقد . لم تهدأ في صدره تلك الاسئلة الفكرية والمعرفية سواء كان داخل العراق ام خارجه ‘ في السياسة ومشاغلها وفي العمل الحركي والجهادي حتى استوى الخرسان ( الباحث والمفكر ) كمنارة عالية بين منارات الفكر ممن رافقوا تجربة الحركة الاسلامية العراقية بكل تموضعاتها . هو ابن النجف الاشرف مدينة امير المؤمنين تلك المدينة الخالدة التي تتنفس البطولة والاباء والعلم والشهادة. ما تركه الخرسان يدعو للتأمل لانه مس ذكرياتنا وتجاربنا . كان لها ان تنطمر لولا انه وضعها تحت الضوء لتبدو اكثر وضوحا واثرا.