الخميس - 18 يوليو 2024

ماذا ينتظرُ نتنياهو من إيران؛ وماذا تنتظرُ المنطقة منها ؟!

السفير الدكتور جواد الهنداوي ||

رئيس المركز العربي الأوربي للسياسات وتعزيز القدرات /بروكسل / ٢٠٢٤/٤/٨

لا أُبالغ إنْ ظنّنتْ بأن أقسى رّدْ لايران على اسرائيل ،لهجومها الأخير على القنصلية الإيرانية في دمشق هو عدم الرّدْ ! اي ، عدم الرّدْ بهجوم إيراني مباشر مماثل على إسرائيل او على احدى سفارات إسرائيل في المنطقة . وكما ذكرت ،في مقال سابق ،تناولَ الموضوع ، ان استبعد ارتكاب إيران ذات الخطأ وذات الجريمة الدولية ،التي ارتكبتها إسرائيل في هجومها على مقر دبلوماسي ،وانتهاكها ،بذلك المواثيق والقوانين الدولية ،وبشكل صارخ و واضح ، وعلى مرأى ومسمع دول العالم والمنظمات الاممية ، و توقعّت ( واتمنى ذلك ) بأنْ يكون رّدْ ايران في ذات الأسلوب والنهج ،الذي دأبت عليه إيران ،في تعاملها مع الاعتداءات الاسرائيلية على افراد حرسها ومستشاريها ومصالحها في سوريّة وفي لبنان ،وحتى في ايران . اتمنى ذلك ،ليس حرصاً او خوفاً على مصالح الكيان الصهيوني ،وانما حرصاً وخوفاً على مصالح دول وشعوب المنطقة ،وبضمنها مصالح الشعب الإيراني .
لا أحدْ ،عدو او خصم او حليف او صديق لإسرائيل ، يدحض حقيقة رعونة واستهتار قيادات الكيان المحتل ،والتي ( واقصد القيادات) ، على مايبدوا ، أُصيبت ، ومنذ ٧ تشرين الاول ٢٠٢٣ ،بملازمة السادّية وسلوك النازية في غزّة وفي الضفة ،بل في المنطقة .
ادركت اسرائيل ،و ايقنتْ ،انها فقدت مقوماتها الأساسية، والتي شيدتها ،تراكمياً ،منذ عام ١٩٤٨ : مقومات وجودها ( من عام ١٩٤٨ – عام ١٩٧٠ ) مقومات أمنها ( ١٩٧٠ -١٩٩٠) ، ثُّم مقاومات السلام ( ١٩٧٥ -١٩٩٣ ) ، ثم مقومات التطبيع و السعي للهيمنة ( ١٩٩٣ – لتاريخ ٢٠٢٣/١٠/٧ ) . بعد هذا التاريخ ،والذي تعّدهُ النخب الاسرائيلية وغيرهم تاريخ ” نكبة لإسرائيل ” ، عادَ الكيان المحتل إلى مربّع ” مقومات الوجود ” ، اي عادَ الكيان ليفكّر ويهتم ويناقش ،ليس مقومات هيمنته على المنطقة ، و انما مقومات وجوده . ادرك انه يواجه الان خطر وجود وليس خطر حدود .
المشهد او الواقع الذي يعيشه الكيان المحتل ، وهو يدرك خطرَ الوجود ،يدفعهُ للمغامرة ، دون اهتمام للنتائج التي يتوقعها ،لانه ،ببساطة ، لا يخشى ما يفقدهُ وقد عادَ إلى المربع الاول ويواجه خطر وجوده في المنطقة . حيرة و ترقّب وحرج مَنْ لهم علاقات مع إسرائيل في المنطقة ( ولا اقول اصدقاء ) ، وكذلك اصدقاء وحلفاء إسرائيل في العالم ،وفي مقدمتهم امريكا ، على ما تقوم به إسرائيل في غزّة وفي المنطقة وفي العالم ،دليلٌ على انَّ ” إسرائيل تُغامرْ ” ،لانها فقدت كثيراً من مقوماتها الأساسية ، و تعّرضّ أمن واستقرار ،ليس المنطقة وحسبْ ، وانما العالم إلى خطرٍ محدق . والمغامِرْ ليس جرئ وانما متهّورْ ، لانه يدركُ مُسبقاً النتائج الكارثيّة لفعلهِ ،ولو بعد حين .
ماذا ينتظر نتنياهو من أيران ؟
حين اقدمَ على قصف القنصلية الإيرانية في دمشق ، ينتظرُ من إيران ردّاً مناسباً لاستفزازه ،ردّاً يخرج عن اطار النهج المُتبع من قبل إيران ،ردّاً مماثل يستهدف الكيان المحتل في ارض فلسطين ومن إيران مباشرةً وليس من حزب الله او اليمن او المقاومة في العراق ، و هدف نتنياهو توسيع الحرب ،من جغرافية غزّة وجنوب لبنان إلى جغرافية المنطقة ، والجميع في اسرائيل وفي الادارة الأمريكية ، وفي الدول العربية يعرفون ما يريده نتنياهو .
هل تتماشى إيران مع رغبة نتنياهو و تمنحه هذه الفرصة ،وهو الذي يتململ في وضعه كضفدع وُضِعَ في قدرٍ ليستوي على نار هادئة ؟ التشبيه هو عنوان لمقال ،في اللغة الفرنسية ، ” Comment les Iraniens font-ils «bouillir une grenouille» ? Lentement & méthodiquement https://reseauinternational.net/comment-les-iraniens-font-ils-bouillir-une-grenouille-lentement-methodiquement/ للكاتب ، shivan Maha mdr rajahi .
نتنياهو ،يأمل ،عند أقلمته للحرب ،لتضّم ايران ،دخول امريكا و دول الغرب بجانبه ،فيتحول هو والكيان من مجرمي حرب ابادة في غزّة إلى ضحايا حرب إيرانية -شيعية ضّدَ اليهود وضّدَ إسرائيل ” الديمقراطية المتحضّرة ” في المنطقة !
ولكن ، شعوب المنطقة و دولها تنتظرُ من إيران صبراً وحرصاً على أمن المنطقة وعدم أنجرارها إلى حربٍ تجعل المنطقة صعيدا . و اية حرب قادمة مع إسرائيل ، دون القضاء على كيانها ، سوف تقود إلى تعزيزه .
ليكن رّدْ إيران عقاباً و ثأراً وليس انتقام ،ليس عطفاً و رحمةً بكيان محتل ومغتصب ومرتكب لجرائم حرب وابادة على مدى سنوات عمره ، و انما خشيّة عواقب الانتقام ، حيث نرى اليوم ،على سبيل المثال ، ما حّلَ بالكيان المحتل من انحدار غير مسبوق سياسياً و دبلوماسياً و إعلامياً ،طيلة عمره المحدود ، حين قرّرَ الانتقام من غزّة .
مَنْ مّنا لا يدرك حقيقة إسرائيل : فهي ” نصفها دعاية ونصفها قوّة وتناقضات ، هي مجرد كيان هجين لم تتراكم به الأجيال بعد كي تستحيل أمّة ، بل مجرد مجاميع اوربية و أميركية شديدة التسليح مع اصدقاء أقوياء ” ( جريدة الاخبار ، فراس زعيتر ،٢٠٢٤/٣/٢٩ ) .
التهويل الإعلامي الغربي و العربي ، والمعلومات ، والتي اشكُ في صحتها ،عن رّدْ إيراني مُختلفْ و مزلزل ، هو للتهديد واشاعة الذعر لدى إسرائيل ،إنْ كانت النوايا حسنة ، وقد يكون لتوريط ولدفع ايران بشّن هجوم مباشر على تل ابيب ،وهذا ما ينتظره نتنياهو ، ولا ترغب به امريكا في الوقت الحاضر لانشغالها بالانتخابات ،وستُساق امريكا للدخول في الحرب والدفاع عن اسرائيل .
عدم انجرار ايران للحرب ،وتمسكّها بضبط النفس وبالصبر الاستراتيجي ، رغم اعتداءات إسرائيل الصارخة ، هو دليل على حرصها تجنّب المنطقة ويلات وتداعيات الحرب ، وموقفها هذا يسمح للعالم ان يقارن ما بين نزعة وسلوك إسرائيل العدوانيَة وانتهاكاتها لكل المواثيق والقوانين الدولية ،و تراكمها لكل أصناف الجرائم ،وبين موقف أيران .
عدم الرّدْ الإيراني المباشر على داخل إسرائيل ، مع استمرار حرب غزّة و دعم إيران لحركات المقاومة الفلسطينية وفي جنوب لبنان ،سيغري نتنياهو للصعود في سُلم الاعتداءات ، فغير مُستبعد حينها بأنْ يكون الاعتداء القادم في داخل الأراضي الإيرانية ، والغرض استفزازها وجرّها إلى الحرب ،عند ذلك الحين ،تستبدل إيران صبرها الاستراتيجي برّدْ استراتيجي .