الجمعة - 19 يوليو 2024

تعلموا العربية وعلموها الناس ..!

منذ 3 أشهر
الجمعة - 19 يوليو 2024

محمد الجاسم ||

(117)
العزيز..مَنْ هو؟؟
شاعَ بينَ العامَّةِ والخاصَّةِ ـ أحيانًا ـ أن مفهومَ (العزيز) هو القريبُ الى القلبِ والحبيبُ والصَّدِيقُ و الصَّاحِبُ الرَّفِيقُ، أو مَنْ تَرْبِطُكَ بهِ صَدَاقَةٌ قويَّة، حتى قيل:” رُبَّ أخٍ لك لَمْ تَلِدْهُ أُمُّكَ”، ويقصدون به القريبَ الى نفسِكَ قربًا شديدًا. ولكن، أينَ هذا التخريج من العبارة المشهورة (تدَابِير تَعْزِيزِ التَّعَاوُنِ الدَّوْلِيِّ)، لا بُدَّ أنها تعني (تقويةً) وليس (تحبيبًا).
ولم أجدْ في حدودِ معرفتي المتواضعةِ بالمعاني التي تشير إليها لفظةُ (العزيز) ،سوى المعنى المعروفِ بأنه واحدٌ من أسماءِ الله الحسنى جلَّ وعَلا، وواضحٌ أنَّها ـ بجذرِها من الماضي المجرد الثلاثي ( عَزَّ ) ـ تعني أنه هو الذي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، والشديدُ في انتقامِهِ من أعدائِهِ، وكما جاءَ في الأثر:
” الذي عّزَّ على كلِّ شيْءٍ فقهرَهُ وغلبَهُ، وهو المنيعُ الذي لا يُنالُ ولا يُغالَبُ، وذَلَّتْ لعِزَّتِهِ الصِّعاب، ولانَتْ لقُوَّتِهِ الشَّدائِدُ الصِّلاب، وهو مَنْ يَهِبُ العِزَّةَ لرسولِهِ وللمؤمنين، فمَنْ أرادَ العِزَّةَ فلْيطلبْها بطاعةِ الله، والتمسُّكِ بكتابِه وسُنّةِ نبيِّهِ “.
قال تعالى:
” إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ” 62 ـ آل عمران .
وجاءت (العزيز الحكيم) تِسْعًا وعشرينَ مرَّةً في القرآن المجيد.
وقال تعالى:
” الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا ” 139 ـ النساء .
والعزيزُ عكسُ الذليل، وقيلَ (عَزَّ عَلَيَّ أن تَفْعَلَ كذا) أيْ صَعُبَ، واشْتَدَّ.
رُوِيَ عن الفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ،أنه قال:
” ارْحَمُوا عَزِيزَ قَوْمٍ ذَلَّ، وَغَنِياً افْتَقَرَ، وَعَالِمًا بَيْنَ الْجُهَّالِ “.
والعزيزُ لَقَبٌ لكلِّ مَنْ كان يتولَّى مصرَ مع الإسكندريَّة في العهود القديمة، وسُمِّيَ (عزيزًا) لأنه لم يكنْ ليعلوَ عليه أو ينالَ منه غيرُه.
وعزيزٌ قومه، هو من عزَّ عندهم فاعتزى، ونُسِبَ إليهم فانتسب، إما في الولادة، أو في المصاهرة، كقوله تعالى:
” عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ ” 37 ـ المعارج .
قال الشاعر البحتري:
” فَكَمْ أَذْلَلْتَ مِنْ رَجُلٍ عَزِيزٍ … وكَمْ أَعزَزْتَ من رَجُلٍ ذَلِيلِ “.
وقال الشاعر ابن الروميّ:
” إنْ أنتَ أعْزَزْتَنِي عَزَزْتُ وإِنْ … أَسَلَمْتَنِي للعِدى وَهَتْ عَمَدِي “.
وقال الشاعر الشريفُ الرضيّ:
” وهيهاتَ ما يُغْني العزيزَ تعزُّزٌ … فيبقى ولا يُنْجي الذليلَ خُمُولُ “.
شكرً لكم أحبَّتي..و(أعزَّكُم) الله جميعًا.

وَرُبَّ قَوْل.. أَنْفَذُ مِنْ صَوْل.

(118)
قُطْرٌ .. أَقْطَارٌ
اعتادَ المواطنُ العربيُّ، من إعلام الحُكّام ذوي النزعة القومية، أن يسمعَ ويقرأَ كثيرًا مفردةَ (القُطْر العراقيّ) أو (القُطْرُ السوري)، وكانت زعامةُ البعث المقبور قد أطلقتْ على أعلى قيادةٍ لحزبهم الشوفينيّ البائد تسمية (القيادة القُطْرِيَّة) نسبة إلى (القُطْر)، ولاشكَّ أنهم يقصدون في ذلك (البلد) الذي يحكمونه كدولة لها جغرافيا مستقلة، الذي هو الآخر له أقطارٌ أخرى فيها نواحٍ وَ جِهات، وهذا من الأغلاط الشائعة في تلك العهود المظلمة، لأن كلمة (القُطْر) تعني الناحِيَةَ، والجِهَة، والجانِبَ ،والجمعُ أقْطارٌ، كقوله تعالى:
” يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ” 33 ـ الرحمن ،
والمراد من أقْطار الدُّنْيا ، جهاتُها الأربعُ.
وقال الشاعر أبو العلاء المعرّي:
” فلا القَطرُ آواهُ، ولا القُطْرُ ضَمَّهُ … ولا هُوَ مِمَّنْ يَسْحَبُ الوشيَ والقِطْرا “.
وقال الشاعر الشريفُ الرّضيّ:
” وَلَوْ زَجَرْتُ المُزْنَ عَنْ صَوْبِهِ … لَضَنَّت الأقطارُ بالقَطْرِ “،
وواضحٌ من البيتِ أنَّ المعنيَّ بالأقطارِ هنا هي أقْطارُ السماواتِ التي تجودُ أو تَبْخَلُ بالسّحاب والمطر..وليس البلدان.

وَرُبَّ قَوْل.. أَنْفَذُ مِنْ صَوْل.

(119)
(أعْظَمَ) أم (عَظَّمَ) اللهُ لكمْ الأجْرَ؟
قال الشاعر المتنبي:
” وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها … وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ “.
والعِظَمُ: خِلافُ الصِغَرِ، المصدر(تَعظيم)، والفعل (عَظَّمَ)، تعني أن شيئًا كان صغيرًا فجرى تعظيمُه، وذلك عكسُ أن يكونَ الشيءُ عظيمًا فيجري تصغيرُه.
قال تعالى:
” ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ” 30 ـ الحج .
وقال تعالى:
” ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ” 32 ـ الحج .
وفي مثل هذا التناول للفعلِ زِنَةَ (أفْعَلَ) و(فَعَّلَ)، وردَ في كتابِ اللهِ المجيد شاهدٌ لغويٌّ يوضِّحُ الفرقَ بينهما ،في قوله تعالى:
” فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ” 15 ـ الفجر ،
ولم تأتِ بصيغةٍ زِنَةٍ موَحَّدَةٍ، مثل ( فَأَكْرَمَهُ وأنْعَمَهُ )..ولا..( فَكَرَّمَهُ وَنَعَّمَهُ ).
وثمَّةَ شواهِدُ شِعْرِيَّةٌ تعزِّزُ مفهومَ معنى المَصْدَرِ(تَعظيم)، وفعلِهِ (عَظَّمَ)، التي تعني أن شيئًا كان صغيرًا فجرى تعظيمُه، وهذا عكسُ أن يكونَ الشيءُ عظيمًا فيجري تصغيرُه.
قال الشاعر ابن حيوس :
” وَأَنَّى يُجارِيكَ الْعَلاَءَ مُعَظَّمٌ … يُعَظِّمُ مِنْ شَأْنِ الْعُلى ما تُصَغِّرُ “.
وقال الشاعر الشريفُ الرَّضِيّ:
” أقسمتُ بالبيتِ وبانِيَيْهِ … عَظّمَ مَا عَظّمَ مِنْ رُكْنَيْهِ “.
وقال الشاعر ابن حيوس الغنوي:
” إذا ما ملوكُ الأرضِ تيهًا تعظَّموا … كَفَاكَ عَظِيمُ الْقَدْرِ أَنْ تَتَعَظَّما “.
أما الفعلُ (أَعْظَمَ) ومصدرُهُ (إعظام)، فهو الذي يعني التفخيمَ والإجلالَ والإكبارَ (للقَدْرِ المعنويّ)، وهي الكلمةُ الأحرى بنا استخدامُها مع كلمةِ (الأجْرِ)، ولدينا مصاديقُ عديدةٌ من الشواهدِ اللغويَّةِ في هذا الزعم.
قال تعالى:
” أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ” 5 ـ الطلاق ، (يُعْظِمُ) مضارع (أعْظَمَ) ومصدرُها (إعظام)، نظير التفخيمِ والإجلالِ والإكبارِ.
وقال الشاعر البصري نصرالخُبز أَرزي :
” عَظُمَتْ صفاتُك عندَ كلِّ مُعَظَّمٍ … فَرَأَوْا لكَ الإعظامَ والإجلالا “.
وقال الشاعر عدي بن الرقاع :
” وَثَامِنَةٌ في مَنْصِبِ الناسِ أَنَّهُ … سَمَا بِكَ مِنْهُمْ مُعْظَمٌ فَوْقَ مُعْظَمِ ” ،
و(مُعْظَمٌ) اسم المفعول من الفعل (أعْظَمَ).
وذكر ابن قدامة في كتابه (المُغني):
” أنّ أَحْمَدَ عَزَّى أَبَا طَالِبٍ، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكُمْ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكُمْ “.
وورد في الأثر أنه يُنْسَبُ الى الإمام المنتظر(عج) للسفير الرابع: ” يا علي بن محمد السمري، أعظَم الله أجْرَ إخوانِكَ فيكَ فإنّكَ ميِّتٌ ما بينَكَ وبينَ ستَّةِ أيّام “،
فقال(عج) (أعْظَمَ اللهُ) ولم يقُلْ: (عظّمَ اللهُ).

وَرُبَّ قَوْل.. أَنْفَذُ مِنْ صَوْل .

(120)
ما الفرقُ بينَ (الغُرُفات) و(الحُجُرات) ؟
من الأغلاطِ الشائعةِ التي نسلِّطُ اليومَ الضوءَ على مقاصدِها الضائعة، الاستخدامُ غيرُ الموفَّقِ لكلمةِ (الغُرْفَة)، وهي تَرِدُ في إعلانات العقارات بيعًا وشراءً واستئجارًا، وفي التداول اليومي في الكتب والأدبيات، فنقول إنَّ الدارَ فيها أربعُ غَرُفٍ وصالةٌ..والشقَّةَ السكنيّةَ تحتوي غُرفَتَيْنِ ..وهكذا، والمَعْنِيُّ في هذا التناول هي (الحُجْرَة)..وفي ذلك تَجَنٍّ كبيرٌ على مفهوم (الغُرْفَة).
فالغُرْفَةُ هيَ العُلِّيَّةُ من المكان، والجمعُ (غُرُفاتٌ) و(غُرَفاتٌ) و(غُرْفاتٌ) و(غُرَفُ)، ولأنها مختصَّةٌ بالعُلُوِّ والسُّمُوِّ، كغُرَفِ السماءِ،قال تعالى:
” لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ ” 20 ـ الزمر .
وقال تعالى:
” وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ” 58 ـ العنكبوت ،
( لَنُبَوِّئَنَّهُم)..و..( تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) دليلان على العُلُوِّ والسُّمُوِّ.
وقال تعالى:
” وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ” 37 ـ سبأ .
وقال الشاعرُ عمادُ الدين الأصبهاني:
” في غُرْفَةٍ أنهارُها مِنْ تَحْتِها … تَجري فَفُزْ منها هُدِيتَ بِغُرْفَةِ “.
وقال الشاعرُ الفرزدق:
” في غُرَفِ الجَنّةِ العُلْيَا التي جُعِلَتْ … لَهُمْ هُناكَ بِسَعْيٍ كانَ مَشكُورا ” .
وقد أطلقوا على كميةِ الماءِ الذي يؤخَذُ بكفِّ اليدِ ليُرْفَعَ الى الفم، للشُرْبِ، (غُرْفَةَ ماءٍ) اغْتَرَفَها. وفي ذلك قال تعالى:
” فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ” 249 ـ البقرة .
وقال الشاعرُ الشَّريفُ الرَّضِيُّ:
” سأروغُ عنْ وِرْدِ الهَوانِ بهِ … هِيَ غُرْفَةٌ لا بُدَّ أَغْرِفُها “.
وقد أطلقوها على الخصْلَةِ العاليةِ من الشَّعَرِ، وعلى الحَبْلِ المَعْقودِ بأُنشوطَةٍ، يُعَلَّقُ في عُنُقِ البعيرِ.
لكل ماتقدَّمَ نقول أن (الحُجْرَةَ) هي الأفصحُ لجزءٍ وناحيةٍ من المنزل ،وهي البقعة المحجورة، أي التي مُنعت من أن يستعمِلَها غيرُ حاجرِها ،والجمعُ (الحُجُرَات) أو ( الحُجْرَات)، ، وبها سُميت سورة الحُجُرَات، وهي حُجُرَات النبيّ، صلى الله عليهِ وآلِهِ وسلَّم، وكانت تُفتح إلى المسجد. ولقد ذكر القرآن قصةَ الأعراب الذين كانوا ينادون النبيَّ الكريم من خارج البيت بصوتٍ عالٍ، وانتقدَ موقفَهُمْ وتصرُّفَهُمْ، حيث قال تعالى:
” إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ” الحجرات ـ 4.

وَرُبَّ قَوْل.. أَنْفَذُ مِنْ صَوْل .