الخميس - 18 يوليو 2024
منذ 3 أشهر

ا د جهاد كاظم العكيلي ||

تحتل القبيلة في مجتمعنا مكانة مُهمة، ومكانتها هذه إنما متأتية من توصيف قرآني كريم، ولكنه توصيف مشروط، اُذ قال تعالى : (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ..
وفي هذا السياق القرآني، يُفترض أن تقوم القبيلة والعشيرة بتنظيم العلاقات المجتمعية بين أبنائها وبين القبائل والعشائر الأخرى، على النحو الصحيح
، وتتدخل في تفاصيل شؤون حياة الناس وعلاقاتهم المجتمعية حين الضرورة ، وفي حالة الازمات، وهذه الحالة موروثة منذ القدم، ويكون الشيخ فيها صاحب القول والفصل ومن هنا نشأ قانون العشيرة ، وما على الأبناء إلا الإنصياع لهذا القانون ، بمعنى آخر أن قانون العشيرة هذا إنما يجري وفق ما مُتعارف عليه حديثا بنظام التابع والمتبوع، ولم يكن هذا القانون في يوم ما يتعارض مع وجود نظام الدولة وقوانيها التي تنظم العلاقات المجتمعية بقوة وسلطة القانون لكن اللافت للنظر صار الكثير من افراد هذه العشيرة او تلك يقع في وهم كبيرين ومنه على سبيل المثال لا الحصر، تفاخره غير المشروع وهو في هذا الحال خالف الصحيح بل وخالف حتى قانون الدولة، فيما البعض الآخر على الرغم ممّا يمتلك من قـدرات فكرية وعقلية في مجالات الحياة المختلفة لكن إطاره الفكري بقى سجينًـأ لقانون الشيخ والعشيرة من حيث يدري او لا يدري، والشيء بالشيء يذكر حينما كنت طالبًـا لدارسة الدكتوراه في قسم الاجتماع في جامعة كيل البريطانية في ثمانينيات القرن الماضي، سألني أستاذي المشرف عن تركيبة المجتمع العراقي وسياسته الاقتصادية والادارية وصانعي القرارات فيها.. حينها كانت إجابتي عن أثر حملة الشهادات والاختصاصات العلمية والفنية… قاطعني… قائلا اذن مع كل هذه… والانسان لم يرتقى به كلّ هذه المؤهلات الى مستوى يليق بحياته اليومية، وأجاب أيضًا ان المشكلة تكمن في إطاركم الفكري، اي ما هو موجود من قيم في عقولكم اثرت في نموكم وازدهار بلدانكم، وقد فضلتم خصوصياتكم على العموميات التي تهم المجتمع بمعنى صبغة العشيرة وقانون القبيلة هما من يسيطر على التعاملات التي تخص السياسة العامة للدولة وتتحكم بها أفكار القبيلة الضيِّقة .. حينها قدّم لي ورقة كتب فيها اسم الاستاذ الدكتور حنا بطاطو للاطلاع على بعض مؤلفاته منها الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية في المجتمع العراقي ، وكتاب بعنوان الشيخ والفلاح في العراق صدر في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي،،، التي منعت آنذاك من نشرها في العراق و تداولها ، وهنا تجلت الحقيقة منذ أكثر من قرن ، والعراق محكوم بعلاقة قبلية مفرطة تتسم بوصاية الشيخ وقانون العشيرة، التي حولت ماكنة الدولة العراقية أشبه بنظام العشيرة ، ومؤطرة بقانون يصلح للبعض ، ولا يصلح للآخرين، وعلى وفق هذا السباق عملت الأنظمة السياسة بهذا الإطار الاجتماعي القبلي، اذ نجدها تتصالح مع القبيلة ، وتختلف معها أحيان أخرى ، وغالبا ما تكون تركيبة الحكومة عشائرية في معظم الأحوال مغلفة بنظام سياسي معين، وأصبح الانسان تابعا لها بكل الأحوال، وان كان غير منتمٍ إليها، ويعتقد الدكتور حنا بطاطا هذا النظام هدّم المجتمع وجعله لا يمتلك قدرات البناء والتطوُّر التي تسبطر عليها العلاقات الاجتماعية على حساب نوع العمل والإنجاز، على الرغم من توافر المجتمع على إمكانات عقليّة متميزة لكن سيل سطوة العشيرة يجرفها، ويلغي وجودها مثلما تجرف السيول تربة الأرض وتختلط كل مكوناتها ، وتؤثر في خصوبتها، وبقى ابن العشيرة يدور في فلك نظام اجتماعي سائد منذ سنين طوال، وأصبح الشيخ يزحف بنظامه في مؤسسات الدولة وتشكيلاتها التشريعية والتنفيذية، مما ساعد في زيادة نفوذه وسطوته، و صار بالنظام الديموقراطي حاجة الى نظام القبيلة أو العشيرة مع إعطاء حالة الامتياز للشبخ في كل الاحوال، وطبعا مع بعض الاستثناءات القليلة لبعض منهم، فمثل هؤلاء يرفض حالة ، أو ظاهرة جديدة تنافس وجوده أو سطوته في داخل قبيلته، أو ظهور رموز جديدة من بين أبناء العشيرة تتخطى مراسبم القبيلة الموسومة بالطاعة العمياء، و ساعدت في استقطاب الشباب لتمكينهم من أن يكونوا قوًى جديدةً تميل الى التحرّر، والإرادة الحرّة، وتؤمن بتغيرات العصر الحاضر المتمثلة باستقلالية الرأي والرأي الآخر، والولوج الى المعرفة ، والحوار المفتوح ، وعدم الإذعان إلى الاستغلال المادي ولا إلى الانقياد الاعمى، ولهذا نجد سرعان ما يشرع بعض الشبوخ يالاطاحة بهذه الشخوص بأسلوب التدليس والتوريط وجعلهم تحت طائلة القانون. وهذا قانون العشيرة في الدولة الحديثة يعيدنا لتذكُّر ما قدّمه حنا بطاطو في اطروحاته التي اهتم بها الباحثون الغربيون – بشأن المجتمع العراقي وتركيبته -لمعرفة سبب انكساراتنا وتراجعنا عن بقية الأمم وشعوب العالم، وما زلنا نخفي عيوبنا عن ذلك.. ونطاطئ رؤوسنا لسيوف أصحاب العشيرة ونفوذ شخوصها المتسلطين للنزول الى رغبات ابن شيخ العشيرة… وشيخ العشيرة.طبعا العشيرة التي لا تسير في التوصيف القرآني الكريم : (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ..