الجمعة - 19 يوليو 2024

“التيار الوطني الشيعي”: عادَ الصدر وبعباءة وطنية شيعية منسوجة بخيوط صدرية .

منذ 3 أشهر
الجمعة - 19 يوليو 2024

السفير الدكتور جواد الهنداوي ||

رئيس المركز العربي الأوربي للسياسات
و تعزيز القدرات /بروكسل / ٢٠٢٤/٤/١٢ .
غابَ السيد الصدر ،وتياره عن المشهد السياسي ، ما يقارب السنتيّن ،ولكنه ظّلَ حاضراً كمراقب و متابع . وسنوات الغياب كانت ،على مايبدوا ،فترة اجتهاد سياسي وليس فقهي ،حيث عادَ وبعباءة أوسع ،عباءة ” وطنيّة شيعية ” و بخيوط صدرية .
التسميّة التي اختارها السيد تُذّكرنا ” بالبيت الشيعي ” ،الذي أسّسه المرحوم احمد الجلبي عام ٢٠٠٣ ،ليكون إطاراً فكرياً وسياسياً للمكوّن الشيعي ،و لكنهُ وُلِدَ حينها ميتاً ،لافتقاره إلى قاعدة جماهيرية او شعبية ،ولاسباب اخرى ،ليس لذكرها اهمية ولانها ليست الموضوع .
اراد الصدر العودة وهو مُجِدّداً في عمله السياسي ،ومبتعداً عن شخصنة تياره الذي ،ومنذ انبثاقه ،يحملُ اسم العائلة ويُحّملها ايضاً كُلَ نتاجات مسار التيار الصدري . يعتقدُ السيد ،على مايبدوا ،ان مسار عقديّن من الزمن من عمله السياسي يُبرّر تغيير وجهة المسار نحو آفاق جديدة و بحُلّة الانتساب ليس للعائلة وانما للوطن .
لنتوقف ونستكشف ماذا تغيّر خلال مسار العقديّن من الزمن ،كي يلجأُ السيد الصدر إلى تبّني مُسمى ” التيار الوطني الشيعي ” بدلاً من التيار الصدري ؟ ولماذا هذا المُسمى المرّكب من ” الوطني ” و ” الشيعي ” ؟ علماً بأنَّ الصدر تبنى خلال مسيرته السياسية مواقف و تصريحات مناهضة ” للمحاصًصة ” و للطائفية ” !
أدرك الصدر بأنَّ ظروف و اجواء العراق والمنطقة الآن هي ليست ذاتها في السنوات التي تلت سقوط النظام ،حيث سادَ ،حينها ، الإرهاب والتخندّق الطائفي والقتل على الهوية وعلى معيار الانتماء المذهبي ، اليوم ، وعلى الصعيد الوطني والعربي والاقليمي ،لم يعدْ نشازاً او مخيفاً ،من ان يحملُ حزباً سياسياً او تياراً سياسياً ( كما هو الحال للتيار الصدري ) الوصف ” الشيعي ” ،لاسيما إذا كان مسبوقاً بصفة الوطني او الإسلامي او العراقي .
ارادَ الصدر ، وهذا ظّني والله اعلم ،ان يعلنُ جهاراً و بأفتخار بأنَّ تياره يمثلُ الصف الوطني الشيعي . لعلَ السيد ،في هذا المسمى ، يؤكّد على العمل السياسي وبالهويّة الوطنية الشيعية ،دون تخفّي وتردّد و ستار .
انطلقَ السيد الصدر ،في تبنيه لعنوان ” التيار الوطني الشيعي ” من نسبة الأكثرية التي يحظى بها التيار ،والتي تجعله في الصدارة امام بقية الاحزاب والتيارات السياسية ، و ربما يسعى كي يكون تياره الجديد هو الوعاء الفكري والسياسي الجامع والحاضن للشيعة .
ما اقدمَ عليه الصدر هو ليس مجرد تغير في عنوان التيار او المسار ،وانما الأمر ابعدُ من ذلك بكثير ، ومن المُحتمل قد نال مشورة او ملاحظة من سماحة السيد السيستاني او من بيت السيستاني ،خلال زيارته الاخيره لهما .
سنتان مضت على غيابه وتياره من المشهد ، تُعّدْ فترة قصيرة،في عمر العمل السياسي او المؤسساتي ،ولكنها تركت في فكر ومسار السيد مقتدى أثراً ، وليس جزافاً عادَ وهو بهذا الخيار الوطني الشيعي ، والذي يوحي بأنه سيكون همزة الوصل مع الجميع وللجميع ،وسنرى ،كما أظّنُ ،ذلك في الايام المقبلة ،والتي ستكون حُبلى بالمشاهد والمواقف السياسية .
هل يطمحُ السيد الصدر ليكون مرجعاً سياسياً ،وطنياً للشيعة في العراق ،وخاصة في نظر المحيط العربي و الاقليمي ،لاسيما و انه يتمتع بعلاقات ممُيزّة معهما ؟
أمرٌ وارد وطموح سياسي مشروع شريطة لملمة خيوط الداخل والقيام بدور همزة الوصل مع الجميع وللجميع .
ادرك الصدر بتفوق تياره عدداً ،وعلى حساب بقية الاحزاب والتيارات ، ويأملُ الحصول على مقاعد اكثر في الانتخابات القادمة ، لاسيما في تبنيه معيار الكفاءة و الوطنية ،وليس الحسب والنسب .
هل سنشهد ،في الانتخابات القادمة ، انضواء الجميع كمكون شيعي ،تحت قبة البرلمان ، باسم التيار الوطني الشيعي او باسم المكوّن الوطني الشيعي ، لتلتف وتحيط جميع الاحزاب الإسلامية ،وكلٌ حسب مرشحيه ونسبة فوزه ، حول التيار الوطني الشيعي ؟ أمرٌ ليس بعسير ،ويصّبُ في صالح العراق ،وسيكون مدعوماً حتماً من المرجعية بأعتباره مشروع سياسي وطني وعراقي وشيعي ،وممثل للأغلبية ، ولا يتعارض مع الدستور ولا يصادر حقوق وتطلعات المكونات الأخرى في مشاركتهم في اتخاذ القرار وممارسة السلطات السياسية.
تدركُ فواعل المشهد السياسي في العراق بأن الوطن تعدى وبنجاح تحديات سياسية و امنية و اقتصادية كبيرة ،وان الظروف العربية و الاقليمية والدولية قد تغيّرت ، وان المواطن هو الاخر اصابه التغير ، اصبح اكثر وعياً ، ويتجه نحو الانضباط رويداً رويداً ، وهذا كله يُلزم الطبقة السياسية،على اختلاف انتماءاتها وجغرافيتها ، بان تواكب هذه المُتغيرات ، لتتخطى المنافع الشخصية والحزبية والمنسوببة وتتمسك اكثر بالثوابت الوطنية .