الأربعاء - 12 يونيو 2024
منذ شهرين

رياض الفرطوسي ||

لا يمكننا ان نفهم البناء والتنمية والتاريخ والحضارة والوطن والهوية والمصير والسيادة والارض والمستقبل الا من خلال التغيير المبني على تحويل النصوص والمواعظ والافكار والتربية الى سلوكيات راقية ومفاهيم عظيمة تؤثر في الاخر وهذه من حتميات انتشار سرعة الافكار بين الامم . لا تستطيع الذهنية الخاوية والخاطئة والمعطوبة والعائمة ان تفهم او تقف امام تحديات الحاضر . لكن ثمة عناصر مهمة للنهضة والبناء الحضاري تتلخص بمجموعة من الاسس والعناصر تمثل قدرة واهمية هذه النهضة على مستوى دورنا ووجودنا الحقيقي بين الامم الاخرى وامكانية تحديد خططنا القادمة حتى ننتقل مما نحن فيه الى واقع اخر ورؤية جديدة . لابد ان نسأل انفسنا ايضا اين نحن امام ما يعيشه العالم من تحولات ونهضة وبناء وتنمية . في كل حقبة توضع امام العراقي تحديات جديدة وخانقة تجعله في حالة عدم استقرار وعدم التركيز في الافكار . مع اننا لو راجعنا سنجد ان الافكار هي احد اهم الاسس في نهضة اي مجتمع او امة . لابد ان نفرق هنا بين الفكر والمؤسسات ‘ المؤسسات هي ما يتعلق بمرافق الدولة من تقديم خدمات وصحة وكهرباء ومدارس وقوانين ‘ والفكر يعني المرونة والعقلانية والتجديد . لا يمكن لعمل المؤسسات ان تثمر من دون جذور فكرية . لا يمكن للانسان دائما ان يعلق على الظروف والتحديات التي تحيط به بل يجب ان يكون هو مساهما وخالقا لظروفه وهذا هو الفارق بين الفرد العاجز والمحبط وبين المتحرك والفاعل والمبادر والواعي لظروفه ومصيره ومستقبله. التحدي الاخر الذي يقف امام نهضتنا هو ازمة العقل والقيادة . لا يخفى على احد اهمية ودور القيادة في نهضتنا لكن السؤال هل لدينا احزاب او تيارات تمتلك برامج لتدريب قيادات واعدة وجديدة او مراكز علمية تؤهل بعض الاشخاص من خلال خطط علمية مدروسة . يقينا هذا الامر مرتبط بالعقلية السائدة وملاحظة بعض التفاصيل اليومية في احترام الوقت ‘ احترام الاخر ‘ احترام الحقوق الفردية ‘ بنفس الوقت ملاحظة تراجع واقع التعليم والادارة والصحة . سبب ذلك يعود الى انحسار الانتاج العام في المؤسسات والشركات والوزارات. ما هي الاهداف البعيدة والقواعد والافكار للوصول للنهوض ؟ يمكننا ان نضع في مقدمة ذلك وحدة الامة وصلابتها وقوتها وتماسكها وضميرها الحي . لكن لا يمكن وضع الاهداف من دون وسائل حقيقية وجادة ورصينة . قد تفشل الاهداف بسبب عدم فهم الوسائل . وعليه لابد ان نفهم الواقع لكي نعرف كيف نؤثر فيه . قد تحتاج الى مسافة طويلة لكي تقطعها من اجل ان تغير او تحطم الكثير من الصور السلبية والقناعات المغلوطة. لا يمكن ان تنهض وانت تحت تأثير الخوف والفقر والطبقية والكذب ( والدكة العشائرية ) والناس المسلحين بالحقد ونزعات الثأر وثقافة التلقين من المهد الى ( المنزل والمدرسة والحزب والمقهى والطقوس وصولا للنظام السياسي ) . كيف ننهض ونحن وسط الحمقى واعداء العقل والاطعمة المغشوشة والمستوردة واللانظام والرشوة والفوضى والنصب والاحتيال والادمان والسفه والسطحية والافكار النمطية وهيمنة الثقافة السياسية الشعاراتية التي تفسر كل شي من دون ان تفهم اي شي . كيف تنهض وسط جمهور مسيس يفسر الامور بشكل جماعي كما لو اننا قطيع نفكر بلغة سياسية واحدة . في حين غابت الرؤية الفكرية والثقافية وهذه اللغة لا وجود ولا حضور لها في القاموس السياسي . كيف ننهض ونحن وسط هذه الامواج العاتية .لقد برعنا بأمتياز في الهوسات والعراضات والسطو ومعارك الجيران ومنصات التواصل الاجتماعي التي تكتظ بالاسماء المستعارة والانتحال وهي تعكس صورة من صور الواقع الحقيقي . لم نتبنَ لحد الان خطاب العقل والحداثة والدولة العادلة . اذن كيف نريد ان ننهض ونبني ونحن نقتل الفكر والمعرفة ‘ نقتل عفويتنا ‘ نقتل اطفالنا عبر التلقين المبكر والعقاب والتدجين والزجر ونعتقد خطئا ان التفوق المدرسي هو مقياس للنجاح وشاهدنا لاحقا كيف تحول اصحاب الشهادات الى لصوص وقتلة وتجار وطن .