الأربعاء - 22 مايو 2024

نظرة في كتاب «الاجتماع الديني الشيعي» للدكتور علي المؤمن..!

منذ 4 أسابيع

الشيخ جميل الربيعي ||

(عالم دين وباحث إسلامي من العراق)
كتب كثيرٌ من العلماء والباحثين حول الشيعة والتشيع من حيث النشأة والانطلاقة الروحية والفكرية، كما كتب آخرون حول أعلامه وعلمائه ورجالاته من الفقهاء والأدباء والشعراء والكتّاب والفلاسفة. وكتب آخرون عن دول الشيعة من حيث قيامها ونشأتها وتقدمها وسقوطها. كما كتب باحثون أيضاً عن الجوانب العلمية في مختلف أبواب المعرفة الفكرية والأخلاقية والسياسية والفقهية والفلسفية عند الشيعة. وهكذا يمكن القول إن ما كُتب عن الشيعة لا يمكن حصره وتعداده؛ فما من باب من أبواب المعرفة إلّا ولجه كتاب وعلماء شيعة. كما كتب غيرهم عنهم، بين حاقد يتصيّد الهفوات ويكبر الثغرات، وبين دارس موضوعي، وباحث وطالب للحقيقة، ولكن هؤلاء أقل من الكبريت الأحمر.
إلّا أنني، وفي حدود اطلاعي؛ لم أجد من بحث في الميدان الشيعي الاجتماعي والمسار التاريخي لِتَكوّن المجتمع الشيعي منذ انطلاقته الأولى بعد السقيفة، بنظرة شمولية واسعة تدرس الوضع الشيعي الاجتماعي في مختلف مساحات تواجده، من حيث البنية العقائدية والفكرية والتشريعية، ومدى تأثير العقائد والأحكام على المسار الاجتماعي، من حيث الترابط والتلازم بين الجانب الفكري والعقائدي، وبين التكوين الاجتماعي والسياسي؛ إلى أن أهدى إلي الأخ الفاضل الدكتور السيد علي المؤمن كتابه الموسوم «الاجتماع الديني الشيعي: ثوابت التأسيس ومتغيرات الواقع»، وهو خطوة أولية ومحاولة جريئة؛ لتأسيس علم اجتماعي شيعي قائم على المبادئ والأسس الفكرية النابعة من سيرة الرسول وأهل بيته الأطهار (ع) والفقهاء السائرين على نهجهم والذين استمدوا معارفهم وعلومهم من الكتاب والسنة، وبيان مدى دورهم الفاعل عقدياً وفكرياً في تكوين المجتمع الشيعي.
ومع استعمال المؤلف للمصطلحات المتعارفة في المناهج الاجتماعية، وخاصة علم الاجتماع الديني والسياسي والثقافي وعلم الأديان وفلسفة الدين؛ إلا أنَّه لم يدّعِ أنه مؤسس لعلم اجتماعي ديني، وما محاولته إلّا لتقديم مسح شامل للمجتمعات الشيعية المتواجدة في مختلف الساحات، مع بيان الفوارق بينها، من ناحية العادات والتقاليد والأعراف، وبيان مدى الترابط بينها، وهو الترابط المبني على أساس أحكام الإسلام، مع التأكيد على ارتباط معظمها، إن لم نقل كلها، بالمراكز الدينية الأساسية للحوزات العلمية المختلفة والمرجعيات الدينية، مع بيان التأثير الإيجابي بالمرجعية الدينية في النجف الأشرف وقم المقدسة وبقية الحوزات العلمية.
فالكتاب هو محاولة على طريق التأسيس؛ إذ لم يزعم الباحث علي المؤمن ((إن التأسيس لعلم الاجتماع الديني الشيعي بات أمراً منجزاً أو سينجز بسهولة من خلال هذه الدراسة، بل إنما نقوم به مجرد محاولة في طريق التأسيس متمنياً أن تساهم جهود المتخصصين في إنجاز المهمة واستكمالها)) (الكتاب316). ولكن؛ مع تواضع المؤلف في قوله هذا؛ لكن أستطيع القول: إنّ الدكتور علي المؤمن وضع الأسس الفكرية والعملية لقيام كيان اجتماعي شيعي قائم على طريق التأسيسالمحمدي الأصيل الممتد من رسول الله (ص) إلى صاحب الأمر والزمان (عجل الله فرجه).
والنظام الاجتماعي الذي يريد السيد المؤمن التنظير له، ليس مسألة نظرية مجردة قائمة على تصور وهمي، وإنما هو كما يقول: ((ظاهرة مركبة دينية اجتماعية تاريخيه إنسانية، تستند إلى قواعد تأسيسية نظرية، عقدية وفكرية وتاريخيه وتقف على بنى اجتماعية دينية وسياسية واجتماعية ثقافية، واجتماعية معرفية)) (ص317)
وفي إشارة ذكية ورائعة، حدد المؤلف عشرة عناصر قوة أساسية قائمة في الوجود الشيعي، وهي مرتكزات أساسية، يمكن أن ينطلق منها العاملون الواعون لقيام كيان اجتماعي ديني ثقافي؛ لتغيير واقع الشيعة الإمامية الإثني عشرية في مسارهم التاريخي، ولربطهم بوحدة عقائدية فكرية، ونظام تشريعي رصين، وإبراز الكتلة البشرية الكبيرة المرتبطة بوحدة العقيدة، ووحدة النظام، والتي تزيد على ما يقارب الـ (400) مليون إنسان في مختلف بقاع الأرض، وفي مختلف الأوطان، والقوميات واللغات؛ فإذا ما ارتبطت بوحدة العقيدة والنظام؛ فستكون كياناً بشرياً اجتماعياً وسياسياً ضخماً، له دور كبير في تغيير مسار النظام العالمي.
والعناصر التي أشار إليها الدكتور المؤمن، يمثل كل منها منبعَ وعيٍ للإنسان مع إيمانه بها، إلّا أنَّ مستوى الوعي المجتمعي لها ضعيف جداً مع الأسف. وهذه العناصر هي: القضية المهدوية، المرجعية الدينية، ولاية الفقيه، ، المراقد والمزارات، شعائر الإمام الحسين، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، عالمية النظام الاجتماعي الديني الشيعي وتماسكه ووحدة مساراته، الاستقلال المالي، التنظيمات الإسلامية السياسية، حركات المقاومة.
ومع تأكيده على عناصر القوة؛ فإنه لفت الأنظار أيضاً إلى المخاطر التي تداهم التشيع والشيعة في عصر الغيبة، وأهمها: الصراعات السياسية بين مختلف التيارات الشيعية الإسلامية، وعدم وحدة القرار، وانعدام الاستراتيجية المشتركة، وتربّص أعداء التشيع والطعن فيه للإيقاع به…الخ. إضافة إلى ما أشار إليه من مخططات خصوم الشيعة، وما يثيرونه من شكوك في مختلف مفاصل التشيع، والشبهات حول عقائده، ومراجعه، وما تفتعله من خلافات داخلية بين مختلف الشرائح الشيعية، ولا سيما بين التنظيمات الإسلامية وفصائل المقاومة، والأوساط العلمية.
ومن الأمور المهمة التي أشار إليها الباحث؛ دراسة الساحات الاجتماعية الدينية الشيعية في مختلف أنحاء العالم، منطلقاً من الحجاز والخليج، ثم العراق وإيران وشبه القارة الهندية وآذربايجان، ومدى ترابط الاجتماعي مع المراكز العلمية المختلفة في مختلف الأوطان. والغرض من ذلك تحسيس الموالي لأهل بيت العصمة والطهارة، بمسؤوليته الشرعية والأخلاقية عن الأُخوّة العقائدية بين الموالين في جميع بقاع الأرض. والحق يقال: إن من يتأمل جيداً في طرح الدكتور علي المؤمن؛ يشعر بأنه يمتلك روحاً طافحة بالحب والمودة والرحمة والرأفة لكل الموالين لآل محمد (ص) أينما كانوا في بقاع الأرض.
ومن الأمور الأساسية التي أشار إليها الباحث، مسألة هوية الشيعة، وبيان أهميتها، واستطاع أن يبرهن بالدليل المنطقي أن جميع الهويات الأُخر القومية، والوطنية، والحزبية والحكومية؛ يمكن أن تُصْهر في الهوية الإسلامية الشيعية، وتذوب جميع الفوارق والنعرات القومية والوطنية والاقتصادية وغيرها في بوتقة العقيدة الإسلامية والنظام التشريعي، ويخضع الجميع لهوية التوحيد والعدل، وبذلك جمع بين الشيعي العربي والفارسي والكردي والتركي والهندي في نظام اجتماعي ديني واحد، لأن الانتماء العقدي والفقهي للتشيع يقتضي تجاوز حدود الجغرافية السياسية والقوانين المحلية والقانون الدولي. ومع ذلك استطاع المؤلف أن يضع خارطة طريق تحدد ((موقف الشيعي من انتماءاته المتنوعة وخاصة ما يتعلق بإشكالية التوازن بين انتمائه القومي وانتمائه الوطني وانتمائه لمنظومته الدينية والاجتماعية)) (ص242)، وهو ما يكشف عن واقعية المؤلف وتنظيراته المتوازنة.
وأخيراً؛ فإنّ دراسة الدكتور علي المؤمن (وفّقه الله) دراسة بِكْر في بابها، وخطوة تأسيسية رائدة، يمكن أن تفتح أبواباً معرفية وعلمية وعملية اجتماعية وسياسية، ترفد الشيعة والتشيع بإبداعات علمية وانتصارات سياسية وفتوحات معرفية، وبالتالي؛ هي خطوة لربط جميع الموالين لآل محمد بمنهج عقدي واحد، ومنهج علمي، ونظام اجتماعي ديني يوحد الصفوف ويفتح القلوب على بعضها؛ كونهم أمّة واحدة متألفة متعاونة متأخية ترتبط بولاية الله ورسوله وأئمة أهل البيت.
{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
وفقه الله لمزيد من الإبداعات.