الأربعاء - 22 مايو 2024
منذ 4 أسابيع

سعد جاسم الكعبي ||

 

كثيرا ما نطالع هذه الأيام مصطلحات سياسية تتقمصها العشائر من قبيل تجمع عشائر كذا وائتلاف عشائر كذا وامارة عشائر الفلانية وهي مسميات سياسية بحتة باتت متداولة بين أفراد عشائرنا الكريمة للأسف .
في تسعينات القرن الماضي استخدم البعثيون العشائرية بعدما حاربرها في السبعينيات والثمانينات نتيجة ضعف النظام للتأثير والسيطرة على الشعب وقتها،اليوم بات الوضع بالمعكوس وباتت العشائر تاخذ دور الدولة وبشكل فج احيانا.
لا يستطيع أحد أن يلغي دور ووجود مكانة العشيرة في العراق، نظراً لأن وجود القبائل والعشائر والقوميات والمذاهب المتنوعة هو أمر بديهي في المجتمعات المتنوعة كمجتمعنا، لكن الإشكال يرد في توظيف العشيرة لغايات سياسية ومطامع حزبية، والسعي لخلط ومزج البُعد المجتمعي للعشيرة بالبُعد السياسي للدولة ومؤسساتها لزوماً
برزت صور الاستغلال السياسي للصفات والألقاب العشائرية لأغراض سياسية حزبية، بهدف التقوقع العمدي ولأهداف متنوعة حول الهوية الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة، لا سيما عند أوقات الشدائد والمحن والاضطرابات، وإعطاء الهوية العشائرية العلوية دوراً في المجالات الأمنية والإدارية والوظيفية.
التقوقع هذا نجدهُ في التعريف العشائري المباشر للشخص (العادي والمسؤول) في الكثير من المناسبات والشواهد، ومنها (المنصب، المنجزات، السلوك، المؤسسة وغيرها.
ترسخت في ذهن المواطن والإعلام المسميات العشائرية للسلطات بدلاً عن التعريف بالاسم المباشر الفردي أو الثلاثي، فأصبحنا نُعرف السلطة التنفيذية مثلاً بالاسم العشائري أو الألقاب لرئيسها (الجعفري، المالكي، الكاظمي وغيره)، وكذلك الحال لرئاسة الجمهورية (الطالباني مثلاً)، فضلاً عن السلطة التشريعية (الجبوري، الحلبوسي، المشهداني) وتبويب أي استهداف لتلك الشخصيات وتحويله للعشيرة والمذهب، وبالتالي انبثاق عشيرة المسؤول للدفاع عنه، وقد شهد العراق حالات كثيرة بهذا الصدد.
الإسباغ الدائم للوصف العشائري على السلوك والفعل والمركز السياسي قد يكون وسيلة للتغطية على فشل الحزب أو المؤسسة الرسمية في حل المشكلات الاجتماعية التي وجدت لها طريقاً للحل في المحاكم العشائرية إن جاز لنا توصيفها هكذا.
الحديث في هذه الورقة عن مشكلة التوصيفات العشائرية لا تندرج ضمن إطار الإساءة للعشيرة بقدر ما يهدف إلى حمايتها من لوثة السياسة وعيوب ممارسيها واحترام خصوصيتها في المجتمع.
الإنسان العراقي الان انتقل من ديوان الحكومة إلى ديوان العشيرة مرغما، وبغض النظر عن كون هذا الديوان يمثل ديوان العشيرة الأصلي أو الحقيقي أم انه ديوان مقلد غير حقيقي افتعلته القوة العشائرية النافذة.
العشيرة بأفرادها المتناثرين وظيفيًا ، حملوا الكثير مما قدمته المدينة لهم من وعي ظرفي أو دائم، لضبط السلوك الفردي ومن ثم الجماعي، لا لأن المدينة ضد العشائرية وسُننها، بل لأن للتحضر شروطه ومسلكيته وبُعد نظره في إنشاء مجتمعات متوازنة لا تنهض على القوانين الشفاهية، بقدر ما تنهض على شروط القوانين الحكومية لضبط السلوك العام، وضخ المعرفة والثقافة المدينية التي هي خليط من ثقافات محلية دينية وعرقية ومذهبية.
فبدت (العشيرة) الآن أوطانًا صغيرة وكانتونات صعبة المراس، تتفرد بزعاماتها الوضعية في المجتمع العراقي، تارةً تحت غطاء الدين والمذهب، وأخرى تحت مسميات سياسية حزبية او دينية.
في المرحلة الحالية ظهر و من دون منازع مجموعات بشرية عاطلة عن العمل، تنتشر في مقاهي المدينة، ترتدي الزي التقليدي العشائري لها القدرة على التفاوض بطلاقة اللسان الذي لا يتوانى عن حفظ أبجديات العشائر المتعارف عليها، والقصص القديمة ذات الحِكَم التربوية في وظيفتها الاجتماعية والأخلاقية، ولذا تبدو تسمية شيوخ عشائر الـ 56 في بغداد تسمية غريبة، وهي كذلك بالفعل.
أمثال هؤلاء وأغلبهم اميون فاشلون في اعمالهم بل وبعضهم سجل اجرامي واجتماعي ملوث ركبوا موجة النزاعات العشائرية، لقدرتهم الفطرية على المطاولة، وما يمتلكونه من اللباقة اللسانية وما يحفظونه من آياتٍ قرآنية وما قاله الرسول محمد صلى الله عليه وآله سلم في مناسبات كثيرة، ليستعينوا ببلاغة الإمام علي بن أبي طالب مثلا بحيث خرقوا الكثير من نظام العشيرة تحت واجهة الدين وأنثروبولوجيا الوقائع التي يربطونها ربطًا مُحكمًا مع أصل النزاع الفردي العشائري أو الجماعي في قصائد وهوسات حسينية لها وقع مؤثر على الجهة العشائرية المقابلة، حتى نقلوا الهامش إلى المركز الديني- الطائفي.
الشيوخ (المستأجرين) من المقاهي أحكموا نسيج دفاعاتهم بشكل خارق، وساهموا في نشر؛ بقصد أو من دونه؛ الفساد الاجتماعي من عشيرة إلى أخرى. واستمكنتوا الكثير من نقاط الضعف في العشائر الأخرى التي تنازعها في مشاكل قد تكون مبسطة لا تستوجب إلا الاعتذار الاجتماعي، وقد تصل إلى القتل العمد لأسباب ساذجة لا تستدعي الجريمة في الحالات كلها،وشيوخ الأجرة يبحثون عن هذه الآثار الجرمية بين العشائر، وجاهزون للاستئجار والمفاوضات والحسم، بتوليهم حل النزاعات أو محاولة حلها بأقل ديّة ممكنة طبعا مقابل مادي يحصلون عليه ممن استاجرهم.
لست ضد العشائرية فالاسلام حفظ مكانتها ولكن ضد تسيس العشائر ومنح الطفيليات العشائرية مكانة لتقضي وتفتي بدماء الناس واعراضهم من دون شرع او دين ولابد لعشائرنا ان تبتعد عن المسميات السياسية ولاتتلوث بها حفاظا على صورتها البهية.