الأربعاء - 22 مايو 2024
منذ 4 أسابيع

سالم مشكور ||

في آخر حديث له قبل مغادرة واشنطن، قال رئيس الوزراء إن حكومته تريد فتح صفحة جديدة من العلاقات مع واشنطن، وإنها تتبع في سياسة الخارجية أسلوب «الدبلوماسية المنتجة».
هذا إقرار بأن السياسية الخارجية العراقية عانت خللا كبيراً في السنوات العشرين السابقة، ليس مع الجانب الأميركي فقط، انما مع كل الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالعراق بشكل أو بآخر.
تركيا جارة كبيرة للعراق، وبسبب ضعف العراق خلال السنوات العشرين الماضية، وعجز الحكومات المتعاقبة عن صياغة علاقات سليمة ومتوازنة معها، ذهبت أنقرة بعيداً في تحقيق مصالحها على حساب السياد
خلال زيارة لرئيس الوزراء الاسبق نوري المالكي الى تركيا، تم التوقيع على 43 مذكرة تفاهم، شملت طيفا واسعا من الملفات التي تهم الجانبين وتحقق أفضل العلاقات المتوازنة، التي تقوم على المصالح المتبادلة. لكن أياً من تلك المذكرات لم تتحول إلى خطوات عملية، ولو جرى تفعيلها لكانت العلاقات بين البلدين في مكان آخر تماماً، ولكانت مشكلة المياه غائبة، والسيادة العراقية غير منتهكة بعلاقات مباشرة ومخالفة للدستور بين تركيا وإقليم كردستان العراق.
هكذا هو حال أغلب مذكرات التفاهم بين العراق والدول الأخرى، تنتهي بمجرد عودة المسؤول إلى العراق، فلا متابعة ولا اهتمام. كذلك هي اتفاقات التوأمة بين محافظات أو مدن عراقية أو جامعات مع نظائر لها في دول أخرى والتي لم تترجم إلى خطوات عملية أبداً.
لا يتحمل المسؤول وحده السبب انما قد تكون ادواته قاصرة أو فاسدة، فتقوم بتسويف الأمور وتدفع الملفات الساخنة إلى إدراج النسيان.. تركيا تتحرك باتجاه العراق بهاجسين، أو حاجتين هما الامن والطاقة. فوجود ساحة مفتوحة لحركة حزب العمال الكردي التركي والانطلاق منها إلى عمليات عسكرية داخل الأراضي التركية يشكل أزمة دائمة لتركيا. هي ايضاً تفتقر إلى الطاقة وتشتري ما تحتاجه من روسيا وإيران ودول أخرى، فيما يمر النفط العراقي عبر أراضيها إلى ميناء جيهان للتصدير، كما ان هناك حقول غاز في إقليم كردستان يمكنها سد جزء كبير من حاجة تركيا، مقابل ذلك يعيش العراق أزمة مياه دائمة، بسبب شحتها من منابعها في تركيا واستمرار إقامة السدود التركية التي تحرم العراق من حصته. لم تعِ الحكومات السابقة، هذه المعادلة البسيطة التي يمكنها تحقيق علاقات متوازنة، فتركت الأمر إلى مخربين للعلاقات بين البلدين.
في مرحلة ما كانت السفارة العراقية في عهد السيد هوشيار زيباري، تعجّ بمعارضين لنظام ما بعد 2003، وغالبيتهم من فريق كان على صلة بالإرهاب، لدرجة ان مسؤولا في الخارجية التركية قال لسياسي عراقي مستغرباً: «لا أفهم كيف تكون لكم سفارة تعمل ضدكم».
لا ننسى الأزمة التي حدثت بين بغداد وانقرة، بسبب زيارة وزير الخارجية التركي إلى أربيل وكركوك، دون علم بغداد ليتبين أن انقرة أبلغت بغداد بكتاب رسمي تم اخفاؤه في وزارة الخارجية. كان هناك تخريب متعمد للعلاقات بين العراق وتركيا، مقابل فتح أبواب واسعة لتركيا في إقليم كردستان العراق، ساعد في ذلك تهاون الحكومات الاتحادية المشغولة بالمناكفات الداخلية، وقلة الكفاءة أو تغير الحكومات في ظل منهج متبع قائم على الغاء كل حكومة ما قامت به سابقتها.
هذا ما دعا انقرة إلى اليأس من بغداد والذهاب إلى علاقات مباشرة وابرام عقود غير منصفة مع الإقليم، دون أن تحسب حساب يوم تعود فيه الحكومة الاتحادية إلى السياق السياسي والدبلوماسي الصحيح، وهو ما حدث خلال السنوات الماضية، خصوصا بعد مجيء حكومة السوداني وقبله لجوء العراق إلى تحكيم دولي، أعطى الحق للعراق في حكمه بشأن تصدير النفط من الإقليم خارج موافقة الحكومة الاتحادية.
ومقابل الصفحة الجديدة في العلاقات مع الولايات المتحدة، تبدو العلاقات مع تركيا وقد بدأت صفحة جديدة أيضا في ظل عملية تنشيط للسياسة الخارجية على أسس جديدة، وزيارة الرئيس التركي تأتي لتتويج مفاوضات جرت على مدى عام تقريبا وشملت ملفات عديدة.
يبقى أن نرى متابعة جدّية لما يتم الاتفاق عليه وهذا ما وعد به رئيس الوزراء بشأن ملفات العلاقة مع واشنطن، وبالتأكيد سيشمل العلاقة مع تركيا وباقي الدول ذات العلاقة الملتبسة مع العراق.
تعبنا من العلاقات المشوّهة مع الخارج، وآن الأوان لبدء صفحة جديدة وعلى أسس صحيحة.