الأربعاء - 12 يونيو 2024

القرى الظاهرة والقرى الباطنة، ايران وأشياء أخرى..!

منذ شهر واحد

منصور هديلي ||
………

 

في ايران قُرى ظاهرة وقرى باطنة. هناك ايران فوق الأرض وهناك ايران تحت الأرض. مسألة الأنفاق وهندستها ليست مسألة تفصيليّة. هي مسألة ذهنيّة وخلفها تصوّر كامل للعالم والوجود. هناك فيديوهات تظهر بعض الأنفاق وما تُظهره الفيديوهات قليل. ثمّ الآن فقط هي تظهر والواقع أنّ الإشتغال بدأ عليها مباشرة بعد حرب العراق وربّما قبل ذلك. لا شكّ أنّ الخميني هو بنفسه من أشار ببناء منظومة عسكريّة كاملة تقوم على الأنفاق.

هنا تلتقي التصورات الذهنيّة مع العبقريّة العسكريّة فهذه الأنفاق تحيّد تماما سلاح الجوّ وهو مفخرة الأمريكيين والصهاينة على حدّ السّواء وهي تحيّد تجسّس الأقمار الصناعية والمجسّات. لا يقف الأمر عند هذا الحدّ. فهناك مؤسسات فوق الأرض وأخرى تحت الأرض. هناك أجهزة دولة وهناك أجهزة ثورة. عندما زار بشار الأسد ايران منذ بضع سنوات لم يكن وزير الخارجية الإيراني يعلم لأنّه اذا علم قد تعلم كلّ وزارته وجيش من الموظّفين وهؤلاء غير مضمونين بزمن خطير وحسّاس. كان الحرس يعلم وكانت نخبة متقدّمة منه فقط هي التي تعلم. من لا يعلم في ايران لا يسأل كثيرا لماذا لا يعلم. الرّوح العامّة روح تنفيذيّة. السّياسات والخيارات والقرارات مسؤولية أصحابها وحتّى من يظنّ أنّهم أصحابها قد لا يكونون كذلك ضرورة.

هذا يعني أنّ القرار في ايران نفقيّ أيضا وأنّ هناك المئات من الشخصيّات المفاتيح مجهولة الهويّة. الكتمان والتكتّم من تقاليد الإيرانيين. البعض يربط ذلك بالتقيّة الشيعيّة. ممكن ولكن الى حدود قليلة فالتشيّع ليس أقلّيا في ايران ليخاف الشيعي ولكن مسألة التقيّة مرتبطة بعقيدة الظهور فالذي سيظهر يوما والمعرّف بالإمام المهدي في الخفاء أو في الغياب. هم يقولون أنه بسرداب وليس السرداب الا صورة نفق أو هو رمزيا عودة لغار حراء. أكيد يصبح الخفاء بسبب ذلك مقدّسا وفي أدنى الأحوال محمودا. أكثر من ذلك فأنت اذا قدّست الخفاء بتقديسك لمخفيّ تزهد في الجليّ والجلاء. تفهمه فتنة ولا تعوّل عليه. أعرف من ينطلق من تكوينه الديبلوماسي وخبرته السياسية ليقارب ايران. وأنا أتابع الأحداث أفهم جيدا لماذا لا أشاطر مقاربته. ايران لا تفسّر بوزير خارجية وببيان وتصريح وندوة صحفيّة. ايران تفسّر بالنفقيّة فكرا واعتقادا وثقافة ومزاجا وتطلّعا ومشروعا وهي تنجح قيّاسيا بسبب ذلك. حتّى عندما يتعلّق الأمر بالأبحاث الجامعية أنا على يقين أنّ الجامعيين والمهندسين الإيرانيين بلغوا معارف مرموقة لا يعلم عنها الآخرون.

ايران لا تفسّر بالتشيّع أيضا ولا هي تفسّر بالدّين. لذلك فالواحد اذا تشيّع لا يضمن بعضا من ملكاتهم ولا أحسب أنه يملك منها اذا دخل في الإسلام من باب الإيرانيين. الواحد عندما يتأمّل دواويين شعراء الفرس المبجّلين منذ قرون ويتأمّل ادابهم وفنونهم بين رسم وسجّاد وموسيقى يفهمهم أكثر. انظروا السينما الإيرانية، هي سطحا بسيطة جدّا ليس فيه استعراض ولا هي تنفق مالا كثيرا. مع ذلك هي تشدّ وتجذب. لماذا؟ لأنها عميقة ولأنّها تحرّك العمق الذي فينا. هذا مرتبط بالأنتروبولوجيا الإيرانية. أقصد علم الإنسان المتشكّل عبر الثقافة الإيرنية والذي قد لا نسمّيه علما لأنّنا نسمّي ما تفضّل به الغربيون علوما ونزهد زهدا مرضيّا في كلّ ما يأتي من غيرهم. ما الإنسان في عقل الإرانيين؟ هو الهي. لا أقصد ولا هم يقصدون أنّ الإنسان خلق الهي فهكذا يؤمن كثيرون عبر العالم. أقصد ويقصدون أنّ الإنسان في مستوى ممكنه خارق ومعجز ولا متناهي وبعيد العبقريّة. وعليه فلا حدّ يحدّه ولا عقل يحيط به ولا قوّة تصدّه. أين هذا الإنسان من إنسان الطبيعة أو إنسان المادّية والعقلانية؟ شرائح واسعة من الإيرانيين خصوصا في مستوى النخب تواصل ارث السهروردي وابن سينا وتشدو بأشعار العطار والشيرازي ومولوي. ما هي خلاصة كلّ هذه النصوص؟ الإنسان اشكاليّ وعميق أي أنّه نفقيّ. هكذا البرمجة الذهنيّة للإيرانيين قبل الإسلام فلمّا أن كان الإسلام أُدخل في قوالب ذهنية سبقته وهذا طبيعي فهناك اسلام ولعلّه الأضخم بقوالب بداوة وقبليّة.

حينها يكون القالب الإيراني أفضل للإسلام وأجدر به وربما قالب أندنوسي أو ماليزي أو إفريقي. ثقافة الإيرانيين العميقة والقديمة جدا نفقيّة ما جعلهم يستثمرون في الأعمق قرآنيا ويغوصون أكثر من غيرهم. هناك آيات أقرأها أنا وقد أمرّ بها مرور الكرام وعندما يمرّ بها ايراني يفهم منها ما يُعجزني ويبهرني. العين غير العين سفرا في المعنى وحفرا في الإشارة. أعلم عن الشهادة في الإسلام ولكنّني لما قرأت لشريعتي يفصّل في الشهادة بداية الثمانينيات تهت عن نفسي. عوض أن يقف الإسلاميون العرب مليّا عند ملكات العقل الإيراني ذهبوا أغلبيا الى الحفر في التاريخ واحياء المذهبية وصولا الى مجوسية وعبادة نار. فعلا، الوعد أن نُستبدل ولا يكونون أمثالنا. لماذا هذا الحديث عن ايران؟