الأربعاء - 22 مايو 2024
منذ 3 أسابيع

لمى يعرب محمد ||

 

يصرُّونَ دومًا أن يبدؤوا حديثهم من منتصفِ الحكاية، وأصرُّ وأجتهدُ لأسردها منذُ البداية، طالما شعرتُ بالفخر كوني أنتمي لحضارةٍ عريقةٍ كبابل، ولطالما أبهرتُ جميع من استمعَ إليّ وشاهدَ تراثيَّ العريق، ذنبي الوحيد إنني لم أولدُ في عصرِ الحضارة، فقد ولدتُ بعدَ فوات الأوان، التي لم يبقَ من أحداثِها سوى حروف غابرة وأساطير تشبه الخيال، صعب بل معضلة عندما تصف مسار حياتك في فصل الخريف، ولكنك وللأسف الشديد مضطر لذلك..
مشهد متهالك أقلهُ أن يوصفَ حقد على الذات، جموح وغرور وحشي أشبه بعملية بتر الأعضاء، فبدلًا عن الارتفاع بعظمة الحضارة، والتأكيد على إسهامها في التطورِ البشري، والدعوة إلى انسجام الأفكار وتلاحقها، واحترام القانون والسعي في فرض هيبة الدولة، يبرز لنا أحفادا غير جديرين بالإرثِ أبدا، ليس من السهل أن نوضحَ بالكلمات والعبارات هذا الزلل الرهيب، ولكنه بالمختصر أقول: عادةً عندما تهب العاصفة لا تحمل فقط من الأنباءِ ألطفها، بل تكون ريح عاتية مجنونة، تقلع الشجر والحجر وربما العقول أيضا، وتفرز لنا من البائسين الذين يرومون إعادة ضبط الأشرعة بأفكارهم، وألوان أمزجتهم.
فيظنُ الأعمى انه شاهدَ ذبابة، ويظنُ الأطرش إنه سمع صوتها، ويظنُ الأعرج انه يركض ورائها فيصيدها، أصبحوا يركضونَ ثم يركضون ويركضونَ، وكل هذا وهم في قلبِ الحضارة، إلى أن وقفوا عند بابها وقرروا أن يزرعوا أرضا، ويحفروا بئرا، ويبنوا سورا.
وعندما وصلوا إلى حفرِ البئر، أشارَ أحدهم أنه لا بُدَّ أن يضعَ رؤوسهم على التل، لكي يستطيعوا التنفس وهم يحفرون بعمق الأرض، فوضعوا رؤوسهم على التل ونزلوا يحفرون ويحفرون، وعندما تسلقوا ليعيدوا رؤوسهم على أجسادهم اختلطتْ عليهم الرؤوس، فذهبوا يشتكونَ أمرهم إلى القاضي، اصدرَ القاضي حكمه بأنه سيقف على مرتفعٕ ويرمي برأس تلو الآخر ومن ينسجم رأسه على جسمه عندها يكون الرأس الصحيح للجسم الصحيح، رمى الأول فلم ينسجمْ مع الجسد ورمى الثاني وكذلكَ لم ينسجمْ، وهكذا الثالث والرابع فلم ينسجموا جميعًا، حينها قال القاضي ” إني أختلفُ معكَ في الرأي دوما، وغير مستعد أبدا أن استمع لأفكاركَ، حتى وان غُيرتْ الرؤوس” وهنا نقطة الاختلاف ببابل!!..