الأربعاء - 22 مايو 2024

العمالة العراقية..الواقع..التحديات..آفاق المستقبل..!

منذ 3 أسابيع

د. نعمه العبادي ||

 

على الرغم من الدلالة الواسعة لمفهوم (العمل والعامل) في أصل اللغة، حيث ينطبق على كل من يقوم بعمل ذي معطى مادي او معنوي مقابل أجور او بشكل طوعي إلا ان هذا المفهوم تضيق ليشمل طبقة محددة في مقابل الموظفين والتجار وفئات اخرى، أخرجت من دائرة الدلالة، وقد اهتمت الادبيات الماركسية وعموم اليسار بهذا المفهوم، وكان أحد محاور حركتها الفكرية والسياسية مع ان اجيالها الجديدة، ذهبت الى صيغ توفيقية بعد نكوص بعض التجارب الشيوعية.
بعيدا عن النقاش المفاهيمي، تعنى هذه المقالة بواقع العمالة العراقية (بحسب المفهوم المتداول) وتنظر في تحديات الواقع، وتؤشر لها، وتحاول تلمس بعض المقاربات التي يمكن ان تساهم في مواجهة هذه التحديات وتحسين واقع العمالة.
يعد العراق اليوم من أكبر أسواق العمل نتيجة ل (معدل مستوى الدخل لغالبية افراد المجتمع، حجم الطلب المتزايد على العمالة، جنون النزعة الاستهلاكية، الرفاهية الوهمية، توسع قائمة الضرورات)، والتي يمثل بعضها ظروف موضوعية لخلق فرص عمل كبيرة، فيما يشكل الجزء الآخر (غير الموضوعي)، على الأقل (أسبابا دافعة) لمزيد من الطلب على العمالة.
وفي ظل سلسلة من الظروف والسياسات التي مر بها البلد، تكاد تكون كل السلع مستوردة، فحتى خطوط الانتاج الصغيرة ليست بمستوى المنافسة مع المستورد لجهتي الجودة والسعر، فضلا عن التلاشي التدريجي للمصانع والمعامل وورش العمل، بل وحتى المحلات البسيطة التي كانت تقدم بعض الاعمال مثل الخياطة وصيانة الاجهزة والمعدات، صارت من الماضي، واستبدلت ببوابات جديدة للمزيد من بيع السلع، وهكذا تناقصت ساحات العمل (بعمالة عراقية) لصالح عمالة اجنبية معظمها غير شرعي، يتقدمها البنغاليون والباكستانيون والهنود والسوريون والايرانيون وجنسيات اخرى، فهذا النوع من العمالة مفضل بشكل كبير عند أرباب العمل، بل وحتى لدى المواطن ذي الحاجة المحدودة لجهة (رخص الكلفة، جودة العمل، قدرة التحمل، سلوك العامل، حجم التبعات المترتبة على العمل، ضمان الاستمرارية ودوام العمل، الجوانب الاجتماعية المتعلقة بطبيعة التعامل مع العامل، ضمان سرية وحفظ خصوصيات العمل)، الامر الذي بلور جملة ذات صدى وايقاع عالي الصوت، عندما تسأل رب العمل عن سبب عزوفه عن العامل المحلي، يجيب بلا تردد : “شلي بشلاع الگلب”، وهي اشارة تكشف التذمر والعزوف عن العمالة المحلية.
يتجه العراقيون بمختلف (توجهاتهم، اعمارهم، درجة تعلمهم، خبراتهم وقدراتهم) الى التوظيف في القطاع العام، فهناك قناعة راسخة لدى معظم المجتمع، ان الدولة ملزمة بتوظيف الكل، سواء كانوا ضمن الحاجة او خارجها، وتعد الوظيفة في نظرهم المستقبل الآمن والحاضر المريح، لكونها توفر راتباً مستقرا شهريا بغض النظر عن مقداره، كما، ان العمل في الوظيفة مريح وغير متعب، فضلا عن الضمانات الاخرى مثل التقاعد والحصول على القروض والسلف والمكانة الاجتماعية، والخطير في الموضوع، حتى الذين يلتحقون بالوظيفة بعناوين يفترض ان يكون منتجها نحو من العمل، مثل الاقسام الفنية والصيانة واعمال الخدمة، يتصرفون كموظفين مكتبيين، وتضطر المؤسسات الى استئجار خدمات عمل من خارج الدوائر، وهكذا نحن امام قطاع عام، هو الاضخم عالميا بالقياس الى نسبة السكان، وحجم الميزانية التشغيلية المخصصة له.
تواجه العمالة العراقية جملة تحديات ومعوقات تتمثل في الآتي:
– العزوف النفسي لدى معظم العمال عن فكرة العمل، نتيجة لغياب الضمانات المستقبلية وعدم استقرار سوق العمل وغياب التجسيد الواقعي للقوانين في حياة العمل، والركون الى راحة الوظيفة خاصة وان هناك سمعة مركوزة في الاذهان بأن الموظف العراقي معدل عمله الحقيقي لا يتجاوز ال (٦٠) دقيقة في اليوم وحجم مردوداتها، فضلا عن خلل المنظور الاجتماعي للعمل مقابل صعود نجم الوظائف.
– تناقص الخبرات، بل تلاشيها، فلم نعد نسمع بالحرفيين واصحاب المهارات إلا ما ندر، ولم يعد لصغار العمل رغبة التعلم لدى (الاسطوات الكبار)، فكثيرا ما كررت نحن لسنا أمام بطالة، بل أمام عمالة ليست ذات خبرة، فما اكثر حاجات العمل الموجود في المجتمع مقابل الخبرات المحدودة، ويظهر ذلك جليا بحجم الطلب الكبير على الاشخاص الذين يقدمون اعمالا بخبرات جيدة، فمثلا عليك ان تنتظر الدور لأشهر حتى تحصل على فرصة عند (خياط ماهر، أسطة بناء او تطبگ سيراميك او عموم الارضيات، كهربائي، مصلح سيارات،….)، الامر الذي يكشف، ان الخلل في نوع الخبرات وليس في فرص العمل، وفي سياق هذه النقطة، اشير الى ذوبان وتلاشي فكرة المدارس والاعداديات المهنية، مثل الصناعة والزراعة والتجارة والمعاهد الفنية، والتي كان مشروعها بالاساس موجه لانتاج عمالة ذات خلفية علمية جيدة ومهارات عملية، لتكون مناسبة لسوق العمل، إلا ان هذه الاعداديات ومع احترامي للاستثناءات المحدودة، صارت فرصة لمن لا يفلح في الدراسة بالمدارس الثانوية والكليات، وكذلك لتحصيل شهادة تساعد الموظفين ممن ليس لديهم شهادة في تحسين رواتبهم وتعديل اوضاعهم الوظيفية، الامر الذي انعكس على طبيعة الدراسة ومخرجاتها، وهي قصة حزينة تحتاج مقالات منفصلة.
– نوع التربية ونمطها للاجيال الحالية والتي لم تعد مؤهلة للانخراط بالعمل، وتحمل المتاعب البدنية، فضلا عن مزاجها الصعب والمتوتر والذي يجعلها غير مرغوبة في سوق العمل.
– قلق اصحاب العمل من التداعيات التي قد يتحملها جراء اي حالة احتكاك مع العامل العراقي مثل الفصل العشائري والمشاكل الاجتماعية، مما يجعلهم يفضلون العامل الاجنبي.
– وجود وفرة كبيرة من عمالة اجنبية معظمها غير مرخص، بكلف عمل بسيطة وانتاج اكبر، ومهارات افضل، وتداعيات اقل، لذلك، فالعامل الاجنبي مفضل خصوصا في الكثير من الاعمال التي يأنف العامل العراقي العمل بها مهما كان مستواه الاجتماعي وحاجته للمال.
ان هذه التحديات والمعوقات ليست الوحيدة التي تواجهها العمالة العراقية، بل هناك مصفوفات اخرى، لكننا اقتصرنا علي العوامل الابرز، وفي ظل هذه التحديات نحن امام واقع ومستقبل خطير للعمل في العراق، أقل ما يقال فيه، هو الاعتماد الكلي على العمالة الاجنبية، والكل يعرف تداعيات هذا الخيار، وليس الخليج عنا ببعيد.
ومن اجل تحسين واقع العمالة العراقية، نقترح الآتي:
– توجه الدولة (تخطيطا وتنفيذا) بإتجاه تشجيع وتطوير الصناعة والزراعة، وإنشاء المعامل الكبيرة وخطوط الانتاج الضخمة، واحياء المعامل والمصانع المندثرة، الامر الذي يوفر فرص عمل كبيرة، تساهم بدورها في تنويع مصادر الواردات المعتمدة كليا على النفط، وتقلل من الاعتماد في الاستهلاك على الخارج.
– وفي موازاة النقطة السابقة، ضرورة العمل على إعادة المدارس والاعداديات والمعاهد التي اسست لانتاج عمالة مهنية ذات خبرة، وتحسين وتطوير مناهجها، واجراء اختبارات مناسبة كشرط للقبول فيها، مع اعطائها فرصة مضمونة للعمل في هذه المصانع والمعامل وكذلك إلزام القطاع الخاص بحصة عمل لخريجي هذه المعاهد والمدارس.
-اصدار القوانين والتشريعات الكفيلة بضمان حقوق العمال وتوفير بيئة عمل آمنة لهم فضلا عن حقوقهم التقاعدية، وتشجيع النقابات المهنية لتأخذ دورا حقيقيا في الدفاع ورعاية حقوق العمال بعيدا عن الانشغال بجمع الاشتراكات والصراعات على المناصب والسفرات الخارجية وغيرها من المظاهر التي لا صلة لها بعمل النقابات (مع خالص التقدير للمخلصين).
– تشديد القيود على العمالة الاجنبية وحركتها، والاقتصار على الضروري منها.
– تشجيع ثقافة حب العمل وكرامة العامل واهميته في المجتمع من خلال الاعلام والمنابر وكذلك تضمين المناهج الدراسية ما يشجع على هذا التوجه.
ارجو ان تكون هذه السطور مقبولة كتحية تقدير واحترام للعمال في يومهم العالمي.
#العمل_كرامة