الأربعاء - 22 مايو 2024

لماذا الغضب الغربي على قانون محاربة الانحلال الاخلاقي في العراق؟!

منذ أسبوعين

عادل الجبوري ||

عكست ردود الافعال الاميركية والاوربية الاخيرة حول تصويت مجلس النواب العراقي على التعديل الاول لقانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي، حقيقة وخطورة الاجندات والمشاريع والاهداف التي يراد تمريرها وتحقيقها في العراق، بوسائل واساليب ناعمة، وعكست كذلك القدر الكبير من ازدواجية وتناقض المفاهيم والنظريات والاطروحات الغربية بشأن حقوق الانسان والحريات العامة، اذا ما تم اسقاطها على الكثير من السلوكيات والممارسات العملية التي تنتهجها الحكومات الغربية حتى في بلدانها.
وهنا لابد ان نتوقف وننبه الى جملة قضايا مهمة، من شأنها توضيح الصورة الكلية لحقيقة وجوهر ردود الافعال هذه، بمختلف ملامحها ومعالمها وخطوطها والوانها.
ولعل القضية الاولى تتمثل في ان الولايات المتحدة الاميركية واوربا ومجمل القوى الغربية، تعمل على فرض قيمها الثقافية والفكرية المنحرفة على المجتمعات الاسلامية الشرقية، تحت شعارات ويافطات الدفاع عن حقوق الانسان وحرية التعبير، وما الى ذلك من تلك المفاهيم البراقة الخادعة. وهي من خلال ذلك تستهدف امرين، الاول هو تعزيز هيمنتها ونفوذها وسطوتها على تلك المجتمعات، والامر الثاني يتمثل ببث وترويج السلوكيات والثقافات الشاذة البعيدة كل البعد عن مباديء الدين واعراف المجتمع. وكلا الامرين يلتقيان عند نقطة واحدة وهدف محوري واحد.
والقضية الثانية، تتمثل في التناقض الواضح والصارخ في مواقف وردود الافعال الغربية حيال الكثير مما يجري في بلدان العالم الاسلامي من احداث ووقائع سياسية وغير سياسية. ناهيك عن التناقض الواضح والصارخ في مواقفها وردود افعالها ازاء ما يحصل في ساحاتها وميادينها مقارنة مع ما يحصل في ساحات وميادين اخرى. فهي تنتفض وتثور وتحشد منابرها السياسية والاعلامية على قانون صادر عن اعلى سلطة تشريعية في العراق، يهدف الى الحفاظ على القيم والمباديء الاسلامية والاعراف والتقاليد الاجتماعية السليمة للمجتمع، بينما هي في ذات الوقت تستخدم كل الادوات والوسائل القمعية لمواجهة الاف الطلبة الجامعيين في جامعاتها، لا لشيء الا لانهم عبروا عن تعاطفهم مع الشعب الفلسطيني، ورفضهم لجرائم الكيان الصهيوني، وادانتهم لمواقف حكوماتهم المتخاذلة والمهادنة لذلك الكيان.
اما القضية الثالثة فانها ترتبط بمفهوم السيادة، فالولايات المتحدة الاميركية ومن يدور في فلكها، ترفض المساس بقيمها الثقافية، وهي تحارب الحجاب الاسلامي وتضيّق الخناق على ابناء الجاليات المسلمة لديها فيما يتعلق بحرية ممارساتهم لشعائرهم وطقوسهم الدينية المختلفة، وفي ذلك هناك كمّ هائل من المصاديق والامثلة من الولايات المتحدة نفسها ومن فرنسا وبريطانيا وغيرها، بيد انها تسمح لنفسها ان تتدخل بطرق واساليب فجّة وغير حضارية في خصوصيات الشعوب والمجتمعات الاخرى، بحجج وذرائع ومبررات واهية. وما قاله كبار الساسة وكبريات المؤسسات السياسية والاعلامية هناك حول قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي في العراق، يثبت ذلك.
وهذه المواقف وردود الافعال الغربية “الغريبة”، لايمكن تبويبها وتصنيفها الا تحت عنوان التدخل السافر وغير المقبول في الشؤون الداخلية، ولعل مثل هذا التدخل يفوق في خطورته التدخل في القضايا السياسية والامنية والاقتصادية المختلفة. لانه متى ما تفكك المجتمع اخلاقيا وقيميا، انهار سياسيا وامنيا واقتصاديا بكل يسر وسهولة.
في حين تتمثل القضية الرابعة تتمثل بأنه من المثير والملفت والمضحك في الامر، ان القوى الغربية، فضلا عن كونها تريد بكل وقاحة وصلافة، بث الفساد والتحلل والانحراف الاخلاقي في المجتمع العراقي، بعدما نشرت فيه كل مظاهر وظواهر الفساد السياسي والمالي والاداري في ظل الاحتلال والهيمنة العسكرية المباشرة طيلة اعوام طويلة، فأنها تحذر من ان تشريع قانون مكافحة الفساد والشذوذ الجنسي وأي قوانين اخرى مماثلة ومشابهة له، سيتسبب في تأخر وعرقلة النمو الاقتصادي وتراجع فرص الاستثمار، وكأنها تريد ان تقول للعراقيين، “ازدهاركم الاقتصادي ورفاهيتكم ترتبط بقبولكم وتقبلكم للفساد والانحلال الاخلاقي وتخليكم عن دينكم وقيمكم واعرافكم”!.
القضية الخامسة هي انه على السياسي العراقي والمواطن العراقي، وكذلك السياسي والمواطن المسلم في أي مكان وأي بلد، ان يفهم ويدرك حقيقة انه يواجه حربا ناعمة، مساحاتها وميادينها مفتوحة، تمتد الى عمق البيوت والمدارس والاسواق وحتى اماكن العبادة، ومؤسسات صنع القرار، ومفاصل ادارة شؤون الدولة والمجتمع، وان محور الاستهداف فيها هو المنظومة القيمية الاخلاقية، قبل المنظومات السياسية والامنية والاقتصادية والعلمية، والتهاون في الخضوع والقبول بأملاءات الغرب، يعني الانزلاق نحو التحلل والانهيار، وهذا واضح الى اقصى الحدود من خلال الترويج والتشجيع بكل الوسائل والاساليب على المثلية والشذوذ والمجون والانفتاح العشوائي الفوضوي، ودعم وتمويل كل من يساهم في الترويج والتسويق لذلك من منظمات مجتمع مدني موجهة، ووسائل اعلام مضللة، ونشاطات وفعاليات مجتمعية مبتذلة.
ومنذ الاحتلال الاميركي للعراق في عام 2003 حتى الان، يمكن للمتابع والمراقب تسجيل وتوثيق كمّ هائل مما قامت به الولايات المتحدة وبريطانيا ودولا غربية مختلفة، من حملات تشويه وتفكيك وتحريف للمجتمع العراقي تحت شتى العناوين والمسميات الناعمة. ولاشك ان مواقفها وردود افعالها الغاضبة حول قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي، لم تكن الاولى ولن تكون الاخيرة، رغم انشغالها بمشاكلها وازماتها الداخلية، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، التي راحت تتسع وتتنامى يوما بعد اخر. وطبيعي ان تظاهرات الطلبة الجامعيين واحتجاجاتهم الشجاعة والجريئة في الولايات المتحدة وفرنسا ودولا اخرى، لم تكن الاولى ولن تكون الاخيرة بالتأكيد!.