الأربعاء - 22 مايو 2024

د. علاء هادي الحطاب ||

 

تفتخرُ الأممُ الحضاريَّة الحيَّة بما تملكه من علماءٍ ومفكرين لا بما تمتلكه من مشاهير فقط، فالتنافس الحضاري بين الأمم والشعوب قائمٌ على مقدار ما تقدمه هذه الحضارة من إنجازات للبشريَّة، لذا تهتمُّ تلك الأمم بمراكزها البحثيَّة وجامعاتها ومدارسها، فضلاً عن اهتمامها بعلمائها ومفكريها، لأنهم من يرسمون الطريق الأمثل للأجيال اللاحقة.
حادثا قتل مرَّا الأسبوع الماضي أولهما حادث قتل امرأة مشهورة على مواقع التواصل الاجتماعي وحادث مقتل طبيب عراقيٍ كبيرٍ بعطائه ومنجزه، الحادث الأول حصد متابعة واسعة من قبل الرأي العام، ولا تزال تبعاته مستمرة بانتظار نتائج التحقيق وما ستكشفه تلك النتائج من تداعيات، أما الآخر وأقصد به حادث مقتل الطبيب فقد مرَّ مرور الكرام، سوى بعض المنشورات البسيطة، وهذا الأمر بحد ذاته
مؤشرٌ واضحٌ لاهتمامات الرأي العام العراقي وانشغالاته، نعم عادة تكون الشخصيَّة المشهورة والمعروفة إعلامياً أكثر تأثيراً في مخرجات ما يقع عليها أو ما تقوم به من سلوك ونشاط، لكنَّ هذا لا يعني إهمال دور المفكرين والعلماء وما يجري عليهم.
طبيعيٌّ حصول تلك الحوادث الجنائيَّة في أغلب البلدان وأكثرها أمناً، وهنا لا أناقش جرائميَّة تلك الحوادث، لا سيما أنَّ حادث الطبيب مثلا عد حادثاً جنائياً حسب المختصين، بل أناقش أسباب تناقل أخبار “الفاشنستات – البلوكرات” على حساب موضوعات أكثر أهميَّة وجديَّة في واقعنا الحالي، فما أهميَّة أن تتزوج إحداهن أو تنفصل، أو تشتري أخرى سيارة فارهة أو تبيع غيرها، هذه مفردات حياة اجتماعيَّة تحصلُ لأغلب الناس، المشاهير منهم وغيرهم، لكنْ أنْ تنال “عركة” بسيطة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بين امرأتين مشهورتين “تكتكياً أو فيسبوكياً أو انستغرامياً” فهذا محل بحث ودراسة، بينما لا ينال جهد كبيرٌ لباحثٍ أو مخترع أو أطروحة لمفكر جزأ بسيطاً من ذلك الاهتمام.
غياب المجالس الثقافيَّة والفكريَّة في بيوتات ومؤسسات وندوات ومؤتمرات وتسويقها بشكلٍ عصري حديث يكون محبباً ومقرباً من المراهقين والشباب هو أحد أسباب انشغال الرأي العام بأخبار الفاشنستات والبلوكرات وغيرهم.
عدم الاحتفاء والاهتمام بالمنجز الإبداعي علمياً كان أم فكرياً أم أدبياً أم ثقافياً، جعل هذا المنجز حبيسَ أروقة النخبة المثقفة.
نحتاج الى جهودٍ مدروسة لتغيير بوصلة اهتمامات وانشغالات الرأي العام من الفاشنستات الى أصحاب المنجز الذي يجعل أمتنا أمة حضاريَّة واعدة.