الأربعاء - 22 مايو 2024

الإمام الصادق عليه السلام بعيون عالمية..!

منذ أسبوعين

||

 

بين المذاهب الإسلامية الشهيرة، وأحد أهم مذاهب الشيعة،هو المذهب الجعفرى، أو كما يطلق على أصحابه الجعفريون، ويعتقد أنه وجه آخر عن المذهب الشيعي الإثنى عشرى الذي يقوم على الاعتقاد بأن خلافة النبي محمد تكون للإمام على بن أبى طالب والاثنى عشر من الأئمة المعصومين من بعده.

نُسِبَ المذهب الشيعي إلي الإمام الجعفر الصادق، الإمام السادس للشيعة، وسُمى بالمذهب الجعفرى، حيث إن الإمام الصادق عاش المرحلة الانتقالية بين دولتين، فكانت الدولة الأموية فى نهاياتها مشغولة بمواجهة الثورات والانتفاضات التي كانت مشتعلة في بلاد الإسلام.

وعندما أقيمت الخلافة العباسية انشغلت بتطهير الأرض من بني أمية والقضاء على الفتن الصغيرة وتوطيد دعائم الدولة الجديدة وكانت بحاجة إلى وقت لتثبيت حكمها، وتشييد أركان نظامها، ولذلك لم تعنَ كثيراً بالحركات الدينية والثقافية مما أتاح للإمام الصادق نشر مذهب عقائد وفقه أهل البيت وتربية عدد كبير من العلماء الفقهاء والمفسرين والمتكلمين. وقد ورد من الأحاديث والروايات عن الإمام الصادق ما لم يرد عن غيره من الأئمة المعصومين، خصوصاً في الفقه الإسلامي، فإن المذهب الشيعي إزدهر في ذلك العصر فعُرف منذ ذلك العصر بالمذهب الجعفري.

وبحسب العديد من المصادر الإسلامية، فالإمام جعفر الصادق من أئمة الفقه، حتى قال عنه أبو حنيفة: ما رأيت أحدا أفقه منه. وذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقال: كان من سادات أهل البيت فقهًا وعلمًا.

وازدهر المذهب الجعفرى منذ مطلع العصر العباسي، وكان اول ظهور الشيعة في الحجاز ثم وصل المدينة المنورة في القرن الرابع للهجرة، أما بلاد الشام فان انتشار الشيعة في ربوعها يرجع الى القرن الاول للهجرة، وكان أبو ذر الغفاري أكثر الدعاة له تحمساً وتأثيراً، ولا يزال له حتى اليوم مقامه في قرية الصرفند اللبنانية بين صيدا وصور.

ومن اهم معتقداتهم الإمامة وتكون بالنص إذ يجب أن ينص الإمام السابق على الإمام اللاحق بالعين لا بالوصف، وتستدل الشيعة على ذلك بأن النبي قد نص على إمامة علي من بعده نصاً ظاهراً يوم غدير، وتشير إلى أن عليا قد نص على ولديه الحسن والحسين، وهكذا فكل إمام يعيّن الامام الذي يليه بوصية، والعصمة، وهى أن كل الأئمة معصومون عن الخطأ والنسيان وعن اقتراف الكبائر والصغائر.

هذا الإمام التابعي شيخ بني هاشم أبي عبد الله جعفر الصادق، وهي كذلك مقولة شارحة للكثير من المواقف الفكرية والسياسية التي قرر هذا الإمام أن يلزمها في حياته، فهي مبدأ جامع ومؤسِّس لما يسمَّى في أيامنا “فقه الأولويات”، وهي منهج من معالم الرشدية السياسية والاستقامة العلمية التي اتسمت بها حياة الصادق وبثّها في أبناء زمانه.

والمقولة تعبّر كذلك عن الموازين الدقيقة التي نصبها الإمام جعفر على أقواله وأفعاله وقراراته وقراءاته، فهو يعلم حساسية حضوره ويعرف ترقُّب خصومه وتلهُّف جمهوره لكل كلمة أو موقف يصدران عنه، وقبل كل هذا وبعده يعرف الحصاد المرّ للتجارب الصعبة التي تفتّح وعيُه عليها، فهو سليل الحسين بن علي بن أبي طالب (ت 61هـ/682م) الذي آلمَ مصرعُه شهيدا الضميرَ المسلم من يومها وحتى اللحظة الراهنة، وقرين عمه زيد بن علي زين العابدين (ت 122هـ/741م) إمام الثائرين في زمنهما.

وهو كذلك ابن دوحة المدينة النبوية المناضلة بطبعها ضد الظلم والطغيان، والتي كانت حينها واقعة تحت الرقابة الحديدية للسلطة الأموية، كما كان جعفر يقظا لتحركات غلاة المشايعين له الذين تشرئبّ أعناقهم للقلاقل والثورات والزعامة السياسية، وتزداد مع الأيام قابليتهم للتطرف الاعتقادي في أئمة “أهل البيت”.

أضف إلى ذلك كله أن مؤرخي الإسلام الكبار من أهل السُّنة كانوا يعدّون الإمام جعفرا من المؤهلين لمنصب الخلافة مثل أبيه محمد الباقر (ت 114هـ/733م)، ولذلك فهو من الشخصيات الكبرى المجمَع عليها والمرشحة لتولي الخلافة في أي لحظة فراغ سياسي، وهذا كفيل بتوتير الأجواء من حوله.

يروي الإمام شمس الدين الذهبي (ت 748هـ/1347م) -في ‘سِيَر أعلام النبلاء’- عن الإمام جعفر الصادق قولَه: “الفقهاء أمناء الرُّسُل، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركنوا إلى السلاطين فاتّهِموهم”! وبهذه المقولة اختار الإمام جعفر الصادق أن يضع اللبنة الأولى لسلطة العلماء التي تأسست وتجذّرت في العصور التالية لعصره، وكانت حياته تطبيقا عمليا لهذا النموذج عبر حضوره العلمي في مرويات جُلِّ المذاهب الإسلامية.

فقد كان جعفر إحدى ركائز الاندفاعة العلمية الكبرى في تاريخ المسلمين فتلقى عنه العلمَ اثنان من أئمة المذاهب الفقهية الأربعة وتأثر به ثالث، وبالتالي كان له إسهامه المقدَّر في شدّ عُرَى المعرفة الإسلامية، بل ومدّ شخصية الفقيه بالهيبة والوقار والفاعلية؛ فأصبح بكل ذلك نموذجا لسلطة الفقهاء على مَرّ التاريخ.

وعلى خلاف بعض أئمة “أهل البيت” من معاصريه؛ قرر جعفر الصادق عدم المواجهة مع السلطة الباطشة أمويةً كانت أم عباسيةً، وآثر أن يكون جزءا من سياق السِّلم العام الذي التزمه معظم فقهاء زمانه، وذلك بعد ثورات وقلاقل دامية أصابت الأمة بجروح عميقة طوال نحو تسعة عقود.

لقد جاء اختيار جعفر الصادق نهج السلم الأهلي نتيجةً لإدراكه اختلالات موازين القوى السياسية في عصره، وفهمه للمخاطر التي تركتها الثورات على وحدة المسلمين، فيبدو أنه قرر أن يحيي مذهب جده الحسن بن علي بن أبي طالب (ت 51هـ/672م) ليقوي مبدأ “الجماعة” في حياة الأمة.

وهو بذلك يُعتبر من مؤسسي تيار الرشد السياسي في عصره، وأحد الرواد الذين آثروا خوض المعركة على أرض المعرفة والتأثير بعيدا عن نهج المصاولة والمفاصلة، مؤْثِراً -في الوقت نفسه- أن يكون قريبا من المجتمع بعيدا عن السلطة، ولذا نرى هذا الإمام يُحسب ضمن رجال العلم الراسخ وأرباب الزهد والتزكية الذين قامت على أكتافهم معالم التربية الروحية الإسلامية.

لقد سُكِب الكثير من الأحبار في سيرة هذا الإمام، ولكن ما يهمنا في هذه المقالة هو الوصول إلى استيعاب منطق الإمام جعفر وطريقة تفكيره وتعرُّف مفاتيح شخصيته التي سندخل فضاءَها من أبواب متعددة؛ لأننا نزعم أن تلك هي أعز خبرة يمكن أن نحصل عليها بعد قراءة هذه المادة التي تسعى للتعريف بالإمام جعفر الصادق، ورسم معالم البيئة العامّة التي نشأ فيها، وأبرز تأثيراته في الحياة العلمية، وأشهر مواقفه في الأحداث السياسية. وللحديث بقيه