الأربعاء - 22 مايو 2024

بمناسبة (تمثال المنصور)..كما عندنا كذلك عندهم..!

منذ أسبوعين

علي عنبر السعدي ||

تماثيل جنرالات الحرب الأهلية – أبطال أم مجرمون ؟؟
– تماثلينا – رموز طائفية ؟؟أم شخصيات وطنية ؟؟
الحرب الأهلية الأمريكية ،بين دعاة الانفصال واقامة نظام كونفدرالي ، وبين الولايات التي طالبت بوحدة أمريكا تحت نظام فيدرالي ،استمرت لمايزيد عن 4 سنوات ،قتل فيها حوالي 800 ألف أمريكي – من الطرفين- وارتكبت مجازر مروعة بأوامر مباشرة من جنرالاتها ، انتهت لصالح دعاة الفيدرالية ، لكن المنهزمين – وهم الأشد تعصباً وعنصرية – رفعوا نصباً تذكارية لجنرالات تلك الحرب من قادة جيوش الانفصال ،واعتبرتهم ولاياتهم انهم أبطال ينبغي ان تبقى ذكراهم خالدة .
من 1885 – تاريخ انتهاء الحرب الأهلية رسمياً ،حتى 2017 ،بقيت تلك التماثيل مدعومة بقوة العنصريين ،ومتحدية النظام الفيدرالي ، الذي يحاول التخلص من كل ما يرمز او يشير الى تلك الحقبة السوداء .
اندلعت اشتباكات بين المؤيدين لبقائها ،وبين المطالبين بإزالتها ،وبعد توترات شديدة وتهديدات متبادلة ،أوشكت أن تعيد أجواء الحرب الأهلية ،تدخلت المحاكم العليا ، لتأمر بإزالة تلك التماثيل ،لأنها تعيد للذاكرة الامريكية ،فصولاً ينبغي طي صفحتها .
في العراق ،أقامت الأنظمة الدكتاتورية السابقة ، مجموعة من التماثيل التي ينقسم العراقيون حول أهميتها ،بين من يراها تمثل صفحات سوداء من تاريخ العراق ،وبين من يراها تشير الى صفحات مشرقة .
كان أهم تلك النصب :
1- تمثال الشاعر معروف الرصافي الذي أقيم عام 1970 – أي بعد 25 عاماً من وفاته ، وهو من أب كردي وام تركمانية – وقد احتل تمثاله منطقة تجارية حيوية في قلب بغداد ، والمعروف عن ذلك الشاعر ،انه ذو توجهات طائفية ،يظهر فيها مقته الشديد لجزء كبير من سكان العراق ، وبالتالي يمثل وجود تمثاله ،استفزازاً لهم .
كانت طائفية ذلك الشاعر ،قد تجلت في الكثير من مواقفه وشعره ،ومنها : (قتلوا الحسين بكل عام مــرةً – وتمثـــلـــوا بعـــداوةٍ وتصـــــــوروا
ويلاه من تلك الفضيحة انها – تطوى وفي أيدي الروافض تنشرُ ).
تلك المواقف المتشددة ،جعلت بعض الطوائف العراقية تراه رمزاً لها ،ومن ثم تدافع عن بقائه بقوة
تمثاله في مدخل الشورجة ، التي تستقطب الجزء الأهم من بسطاء العمال العراقيين والحرفيين وصغار التجار والباعة المتجولين واصحاب البسطيات ، وغالبيتهم الساحقة تنتمي الى طيف محدد ،أريد لهذا التمثال ،أن يثبت سيطرة من وضعه ، وماعليهم سوى الخضوع ، لما قاله وما مثله وتمثل به ، باعتباره شاعر العراق الأول والأهم .
2- تمثال ابي جعفر المنصور ،ازيح عنه الستار عام 1977، بإشارة الى الخليفة العباسي الثاني ، الذي روج عنه التاريخ بأن من بنى بغداد ،حتى اصبحت تلك المقولة ثابتة الى درجة اليقين ،رغم توافر المعلومات التي تجزم ان المنصور لاعلاقة له ببناء بغداد ولا تأسيسها ،ولا حتى باختيار اسمها ، فبغداد كانت بلدة معروف مكانها منذ بابل ،وأطلق عليها في الألواح – باك دادا(**) باك -الطاهرة أو المزهرة ،ودادا المربية أو الحبيبة ، ثم عرفت بهذه الاسم في العصور الساسانية باغ – داد – اي بستان الاله ،فنقلها المنصور بالتسمية ذاتها – التي من الواضح انها ليست عربية – وقد وسعها واتخذها عاصمة له ،أي انها احتلها ووسعها ،وليس هو من أنشاها وأسماها ، لكن النظام السابق ،وبتوجهاته العنصرية / الطائفية ،وايدلوجيته القومية ،أرادها دلالة قاطعة حول هوية بغداد التي عليها ان تنتمي للحاكم المطلق ومايمثله ،بكل توجهاته .
تجارب الشعوب عبر التاريخ ،تشير الى ان انتهاء مرحلة سوداء من التاريخ ،ينبغي ان تذهب مع رموزها ،خاصة اذا تمثلت بنصب تحتل أمكنة بارزة في عاصمة تجمع كلّ العراقيين ، فهذه ليست غرفة نوم الملك مثلاً، أو سيارته القديمة أو مائدة طعامه ، التي توجد في أمكنة محددة لتكون جزءاً من الذاكرة ،وليست واجهة لهوية البلاد .
الخلاصة : المنطق يقتضي ازالة هذين التمثالين برغم اعتراض البعض – كما حدث في أمريكا – أما الوسيلة المستخدمة لذلك ، فهي واحدة من اثنتين : أما اللجوء الى اجراء استفتاء عام لسكان بغداد ،ومن ثم الالتزام بنتيجته – حسب تصويت الأكثرية – وهي الطريقة الأكثر حضارية وعملية في الوقت عينه ،وأما ان يتخذ القضاء الأعلى قراراً ملزماً حسب المعطيات المتوفرة لديه ،ويمكن للطرفين المطالب بالإزالة ،والمعترض عليها ،أن يحتكما الى القضاء .
أما الصراخ والتهديدات والمناكفات ، فلن تؤدي الى اية نتيجة .
(**) (بكدادو ، بكدادا) وتأتي بالمقاطع السومرية (باك – دا – دو) و (باك – دادا) .
وكذلك ذكر اسم بغداد في العصر الكاشي ،وكان منقوشاً على حجر (كودورو) من عهد الملك الكاشي (نازي مرتاش)
كما ذكر (بغدادو – بغدادا) في الوثائق الاشورية ما بين (1300_900) قبل الميلاد .
ذلك خلاصة ما اوردته كل من المصادر التالية :
1_ مقدمة في تاريخ الحضارات, جزء 1 , طه باقر
2- نصارى بغداد ، رفائيل بابو اسحاق
3-(كتابات مسمارية من غرب اسيا)- (هنري رولنسن)