الأربعاء - 22 مايو 2024

حكاية من الجنوي..نهر العريض..!

منذ أسبوعين

تقي مطشر الشخماني ||

ينساب دجلة الخير أمناً
بين أحضان ميسان الرقيقة الحالمة. ينساب بطيئا ثملا يستمع لأصوات العاشقين على ضفافه وهي تهمس بوشوشات الحب والجمال. ينظر اليهم بشوق وحنان وحب، يود لو أن له يداً يستطيع بها أن (يرش) قليلاً من رذاذ موجات مائه العذب على وجوههم السمراء الجميلة ممازحا لهم علهم يفيقوا من سكرات عشقهم وليتمتعوا بجمال إنسيابه.
يمضي دجلة الحالم بمسيره إلى أن يفترق نصفه الأيمن عن نصفه الأيسر ألذي يستمر بالمسير إلى بصرة الخير ليعانق أخاه الفرات بحب وليندمجا في شط العرب. وليميل هو إلى الجهة اليمنى فيفقد إسمه التاريخي الجميل الذي تغزل به الشعراء ليسمى (الطويل) تحببا وليقترب قليلا من ضفاف الهور عله يجد عاشقين يبثون عشقهم ليس على ضفافه بل بملاصقة مشاحيفهم بعضها لبعض تحت ظلال القصب والبردي، يستمر بالسير هادئا حتى ينفصل منه نصفه إلى الجهة اليسرى حيث يسميه الناس العريض(١).
يسير العريض فائضاً على ضفافه فليس له (چالي) كبقية الانهر لأنه ينساب بطيئا حالما بين (سلف وسلف) فالبيوت كلها على ضفافه وأبواب المضايف مشرعة مقابل صفحة مائه الرقراقة محتضنا أحيانا صبية صغار يسبحون بمائه فرحين جذلين يشاركهم ضحكاتهم، أو مشحوف ينساب على صفحته يحمل عشاقه ومحبيه، أو ماطور (مركب) ينطلق من الميمونة صباحا نزولا إلى المجر باتجاه (الكفاخ) ثم إلى ( أبو شبيبه و ( أبو نعيجه ) و (أم گعيدة) وحتى المجر. ينساب وهو يمد گواهينه ومفردها (گاهن) يمينا فقط (لتغرف) مازاد من مائه فتوصله إلى الهور الملاصق لجانبه الأيمن حيث البيوت التي بنيت من القصب على الطراز السومري القديم والمستمرة ليومنا هذا، إلا إنه لا يستطيع أن يمد يده اليسرى لأنها أرض لعشيرة أخرى غير العشيرة التي (يطر) أراضيها. وعند {الكفاخ} وهو النهرالوحيد المتجه إلى الجهة اليسرى. والذي كثيرا ماكانت تحدث المعارك بين القبيلتين المتجاورتين عنده، حيث ان الجهة اليسرى اكثر انحدارا من الجهة اليمنى واذا ما فتح فيها نهر (الكفاخ) فانه يأخذ ماء العريض بالكامل وتحرم أم گعيدة وما بعدها من الماء. كان (الكفاخ) يعطي مائه للعشيرة التي تقع على جانبه الايسر بمقدار متفق عليه بين العشيرتين وذلك بوضع بواري القصب المملؤة بالطين لتكون كسدة تنظيم، ولكن في وقت (الصيهود) تحرم مناطق (الطگطاگة) و (المرجاحه) من الماء.. الامر الذي تضطر القبيلة لرفع بعض السدود لينساب اليهم الماء فتعترض القبيلة الاخرى فتنشر كل قبيلة بيارقها وراياتها وأسلحتها، حين تقوم القبيلة اليسرى برفع البواري (ليطيروا) النهر لجانبهم وتهجم القبيلة اليمنى لسد الثغرة بالرصاص والنار والجرحى والقتلى احيانا وتشتعل الدنيا ويبقى العريض يسير خائفا وجلا وهو يستمع إلى ازيز الرصاص ووقع الأرجل وهي تدك الأرض بالهوسات فتهتز ضفافه هزا.
في هذه المنطقة وما بعدها نشٱت قصة حب إسطورية بين شابين من القبيلتين المتناحرتين على (الكفاخ) بين سلمان الذى يرعى الهوش (البقر) وبين نعيمه التي ترعى الدواب (الجاموس).. كان سلمان يخرج صباحا ليسرح (هوشه) على الجهة اليمنى حيث القصب والبردي ونعيمه التي تقود دوابها من الجهة اليسرى لتدخل العريض (تگيل) بمائه مستمتعة ببرودته وعذوبته.
يختلس سلمان النظر إلى نعيمه وهي تبادله نظراتها من الضفة الاخرى. كان سلمان ذو صوت عذب جميل يتعمد أن يسمع نعيمه جمال صوته بأبوذيات تعتصر القلب لوعة، تستمع لها نعيمة نشوى مغلفة بحسرات وأهات التمني لو أنها تجلس إلى جنب سلمان تضع كتفها على كتفه ويدها تلامس يده وهي تسمع غنائه الرائع.
يتكرر اللقاء اليومي ثم يتطور إلى إشارة أن (سلام عليكم) ثم معه ابتسامة. مع ابتسامتها كان يذوب سلمان عشقا. نعيمة سمراء جميلة الملامح ذات خدين متوردين تضع (شيلتها) على رأسها بطريقة تخرج منها كذلتها وبعض من زلفها كانت تضع (چلاب ذهب) يلامس خدها فيضيع جمال الذهب أمام جمال خدها الذهبي الأحمر، كان يتعمد ان يسمعها هذه الأبيات:.
حدر شيلتها بياض الصدر يتحدى
صدگ لو گالت الامثال
ضد يظهر حسن ضده.
عندما تسمعها منه كانت ترفع طارف شيلتها لتمسح به وجهها ولتريه طارف الحسن الذي تخفيه الشيلة، تطورأﻻمر إلى صباح الخير، وصباح العافية. شلونچ. عساچ بخير. وهي تجيبه بمثلها وفي أحد الأيام تجرٱ سلمان وصاح عبر العريض..
– شسمچ؟
– نعيمه….وانته؟
– أنه سلمان
…………..
١- الأسماء بالتصغير وهي اللهجة المحببة لأهل العمارة (ميسان)