الخميس - 20 يونيو 2024

حول التنازع بين الشرعية الانتخابية والشرعية الشعبية (التظاهر)

محمد عبد الجبار الشبوط ||

مقدمة
يثير بيان السيد “حميد الياسري” مسؤول لواء أنصار المرجعية في الحشد الشعبي النقاش حول اشكالية التنازع بين الشرعية الانتخابية والشرعية الشعبية.
صحيح ان السيد الياسري اعلن انه “سيكون تحركنا ضمن الدستور والقانون وتحت حماية القوات الامنية” مؤكدا “على الجميع أحترام القانون وعدم التجاوز على اي شيء” الا انه هدد ب”أعلان ان المحافظ ومجلس المحافظة لا يمثلون الجماهير ويعملون لأحزابهم فقط”، (علما ان تمثيل الاحزاب ليس جريمة يحاسب عليها القانون) مطالبا “مجلس النواب ورئيس الوزراء بأرسال حاكم عسكري نزيه يدير أمور المحافظة لحين البت في مصيرها”، حيث تشير النقطة الاولى الى سحب “الشرعية الانتخابية” من المحافظ ومجلس المحافظة، فيما تشير الثانية الى ما يشبه اعلان الاحكام العرفية وانشاء السلطة العسكرية بدون سند قانوني..
والمعروف ان الشرعية تلعب دوراً محورياً في استقرار وفاعلية النظم السياسية الديمقراطية . تُكتسب الشرعية السياسية عبر أدوات مختلفة، أبرزها الانتخابات التي تمنح المؤسسات المنتخَبة مصداقية لتمثيل الشعب. ومع ذلك، قد تظهر سيناريوهات يتنازع فيها النوعان: الشرعية الانتخابية والشرعية الشعبية. تتجسد الشرعية الشعبية غالبًا من خلال التظاهرات والاحتجاجات التي تعبر عن رغبة حقيقية وجماعية للتغيير والإصلاح.

الشرعية الانتخابية

الشرعية الانتخابية تُمنح للمؤسسات والأفراد الذين يُنتخبون عبر عملية انتخابات حرة ونزيهة. المعلومات أدناه توضح عملية اكتساب هذه الشرعية:
1. *الانتخابات الحرة والنزيهة*: يُعتبر إجراء انتخابات شفافة ونزيهة شرطًا أساسيًا لاكتساب الشرعية الانتخابية.
2. *الأصوات المكتسبة*: يعتمد مدى شرعية المؤسسة المنتخبة على عدد الأصوات التي حصلت عليها ودعمها من قبل غالبية الناخبين.
3. *الولاية الزمنية*: عادةً ما تمتد شرعية المؤسسة المنتخبة لفترة محددة، تكون غالبًا جزءًا من الدستور أو القوانين التنظيمية.

الشرعية الشعبية والتظاهرات

في بعض الأحيان، قد يُنظر إلى نتائج الانتخابات بأنها غير معبرة عن الإرادة الفعلية للشعب. ويمكن أن تكون الأسباب متعددة: التلاعب في الانتخابات، الفساد، أو تغير الواقع السياسي والاجتماعي بعد الانتخابات. هنا تظهر الشرعية الشعبية عبر:
1. *التظاهرات الشعبيّة*: تعكس التظاهرات رغبة جزء كبير من الشعب في تغيير أو تعديل الوضع الراهن.
2. *كتلة أكبر من الأصوات*: لتكتسب التظاهرات شرعية مقابل الشرعية الانتخابية، يجب أن يفوق عدد المشاركين فيها عدد الأصوات التي حظيت بها المؤسسات المنتخبة في الانتخابات.

التفاعل بين الشرعيتين

لنزع الشرعية الانتخابية وإكساب الشرعية الشعبية مشروعية سياسية، يجب مراعاة النقاط التالية:
1. *سلمية التظاهرات*: الحفاظ على الطابع السلمي للتظاهرات يعزز مصداقيتها وإمكانية تحقق مطالبها.
2. *عدد المشاركين*: يجب أن يكون حشد التظاهرات أكبر من عدد الأصوات التي منحت الشرعية للمؤسسات المنتخبة. وهذه نقطة مهمة. فليس بمقدور ١٠٠٠ متظاهر، مثلا، نزع الشرعية الانتخابية عن شخص حاز على ١٥٠٠ صوت.
3. *الزخم المستمر*: استمرار التظاهرات لفترة طويلة يعزز الضغط على المؤسسات لإعادة النظر في شرعيتها.

أمثلة واقعية

من الأمثلة التاريخية على انتقال الشرعية من المؤسسات المنتخبة إلى الشرعية الشعبية:
1. *الثورة المصرية 2011*: تفوق عدد المتظاهرين في ميدان التحرير على عدد الأصوات التي كان حصل عليها النظام الحاكم، مما أدى إلى تنحي الرئيس.
2. *الثورة البرتقالية في أوكرانيا 2004*: شهدت هذه الحركة تظاهرات واسعة تفوقت عددياً على الدعم الانتخابي للنظام، مما أدى إلى تغيير النتائج الانتخابية وإعادة الانتخابات.

خاتمة

تظل الشرعية مسألة معقدة ومتشابكة تحمل في طياتها الكثير من التعقيدات والتحديات. بينما تُعتبر الانتخابات الطريق الأنسب لاكتساب الشرعية، يمكن للتظاهرات الشعبية أن تُدخل عنصر التوازن والتصحيح في الأنظمة الديمقراطية. تحقيق تغيير ناجح يتطلب مصالح متبادلة وتفاهمات بين السلطة والشعب، تُبنى على أسس الديمقراطية والعدالة والتعبير الحر عن إرادة الجماهير.
اذا لم تستطع الجهة المعارضة توفير شروط التظاهر المذكورة انفا فالاولى بها ان تلجأ الى الطرق الدستورية والقانونية للتعبير عن رأيها، بما في ذلك الحق بإجراء انتخابات مبكرة، والتمكن من الفوز باغلبية اصوات الناخبين. وبدون ذلك لا يصح للجهة المعارضة ان تتجاوز هذه العتبة.
وبهذه المناسبة، اشير الى ان إصلاح النظام السياسي واستعادة الثقة به يعد من أهم التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة. يتطلب تحقيق هذا الأمر اتخاذ خطوات إلى الأمام تعزز الديمقراطية والمؤسسات السياسية، بدلاً من اتخاذ خطوات تعد تنازلاً عن مبادئ الدولة الحديثة وعودة الى الوراء. يكمن الهدف في بناء نظام سياسي يحتوي على مقومات عالية من الشفافية، المساءلة، والتمثيل العادل لكل فئات المجتمع.