الثلاثاء - 23 يوليو 2024

لماذا حَلَّ الرئيس الفرنسي الجمعية الوطنية (مجلس النواب)، و دعا إلى انتخابات برلمانية؟!

منذ شهر واحد
الثلاثاء - 23 يوليو 2024

السفير الدكتور جواد الهنداوي ||

رئيس المركز العربي الأوربي للسياسات وتعزيز القدرات / بروكسل / ٢٠٢٤/٦/١١.
لا أحدَ من المطلعين يجهل بأن النظام السياسي في فرنسا هو نظام شبّه رئاسي ، او رئاسي ، وفقاً لبعض فقهاء القانون الدستوري الفرنسي ، وسبب الخلاف البسيط بين من يصفون النظام السياسي الفرنسي شبّه رئاسي و مَنْ يصفونه رئاسي يكمنُ في أمريّن مُهميّن : الاول هو ان رئيس الحكومة و الوزراء مسؤولين ،في أداءهم ، امام رئيس الجمهورية وليس امام البرلمان ، و الأمر الثاني وهو الاهم ، هو ان المادة 12 من الدستور الفرنسي لعام 1958 ،والمعدل عام 2008 اجازت للرئيس حّلْ الجمعية الوطنية ( مجلس النواب ) ،بعد استشارة رئيس الحكومة و رئيسي مجلسي البرلمان ( يعني رئيس الجمعية الوطنية ، ورئيس مجلس الأعيان او الشيوخ ) ، على ان يتم اجراء انتخابات عامة ،خلال مدة لا تقل عن عشرين يوماً و لاتزيد عن أربعين يوماً .
وتجدر الاشارة ( للضرورة التي سأذكرها )، إلى انَّ في النظام السياسي البرلماني ( و النظام السياسي البريطاني كمثال ) ، لرئيس الحكومة حق حّلْ مجلس النواب و الدعوة لانتخابات .
يعني ذلك ، في النظام السياسي الرئاسي و في النظام السياسي البرلماني ، لرئيس السلطة التنفيذية ( رئيس جمهورية او رئيس وزراء ) حق حّلْ مجلس النواب . و سبب تضمين هذا الحق في الدستور او في ” العرف ” مثلما في بريطانيا ، هو الحفاظ على التوازن بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، و الحيلولة دون تسّلط هذه على تلك .
اما الضرورة ،التي دعتني لذكر ما تقدّم ، مغتنماً مناسبة قرار الرئيس الفرنسي بحل الجمعية الوطنية ، هو توجيه دعوة إلى لجنة تعديل الدستور العراقي لمعالجة الآلية الدستورية لحل مجلس النواب حين تقتضي المصلحة العامة ،حيث يفتقرُ الدستور العراقي الحالي لآلية حّلْ مجلس النواب ، من قبل السلطة التنفيذية ، ولا يمكن حّلْ مجلس النواب الاّ من قبل المجلس ذاته و وفقاً لاجراءات نصَّ عليها الدستور ، ومن النادر ان يُقدم اعضاء مجلس النواب على التوافق من اجل تسريحهم عن العمل !
أعودُ إلى الاجابة على السؤال ،عنوان المقال .
سبب قرار الرئيس الفرنسي هو نتائج الانتخابات البرلمانية الاوربية ، والتي أظهرت تقدماً كبيرا للأحزاب اليمينية في اوربا ،وخاصة في فرنسا ، وهذا ما كان متوقعاً ، وحسب استطلاعات الرأي ،التي أُجريت قبيل الانتخابات . و سبقَ الرئيس الفرنسي ،في قرارة بحّل الجمعية الوطنية و اجراء انتخابات تشريعية عامة في نهاية هذا الشهر ، مطالبات قيادات الاحزاب اليمنية ،وخاصة حزب التجمع الوطني ،بقيادة ماري لوبين ،والذي حصل على 31 مقعد من مجموع 81 مقعد ، حصة فرنسا في البرلمان الأوربي .
صراحة ، فوز الاحزاب اليمينية ،لم يكْ مفاجئة لباقي الاحزاب او للحكومات . النتائج،كانت ،مثلما ذكرنا ، متوقعة ، وخطط الحكومات و الاحزاب الأخرى للمواجهة كانت ايضاً مدروسة و مُعّدة سلفاً ، و فرنسا كبلد ديمقراطي ( بأستثناء ما يتعلق بالسامّية و ب غزّة وفلسطين ) مّرَ بأكثر من انتخابات عامة ، حقّقَ وقتها حزب التجمع الوطني نجاح و صعود و حصدَ نتائج أهلّته او كادت ان تؤهله للقيادة ، فلجأت كافة الاحزاب اليسارية ، و الاحزاب الوسط وحتى اليمينية للتحالف من اجل الحيلولة دون وصول حزب اليمين المتطرف إلى سدّة القيادة .
هدف الرئيس ماكرون من حّلْ الجمعية الوطنية هو الاسراع بأجراء انتخابات فرنسية عامة ، ولكن لماذا ؟ او بماذا يفكّر او ماذا يريد ؟
امام الرئيس الفرنسي سيناريوهين:
السيناريو الاول هو فشل الاحزاب اليمنية بالفوز بالاغلبية البرلمانية في الانتخابات المقبلة ،في 30 من هذا الشهر . و اقصد الحزبيّن ( حزب التجمع الوطني وحزب الاسترداد ) ، و بالتالي عدم قدرتهم لتشكيل حكومة ، وهذا ما يسعى له و يريده الرئيس ماكرون ، ويعّول ، على طريقة الانتخابات في فرنسا والتي تمرُّ في دوريّن وليس دور واحد ،مما يعطي الاحزاب الأخرى فرصة التحالف و التأثير على جمهورها للتصويت في الدور الثاني ، لا من اجل فوز هذا او ذاك الحزب ،وانما من اجل منع فوز الأحزاب اليمينية المتطرفة ، وهذا ما حصلَ سابقاً و اكثر من مرّة في فرنسا .
سيعتمد الرئيس ماكرون على حزبه ويتحالف مع الاحزاب الأخرى ،التي لها مصلحة في منع تقدّم احزاب اليمين المتطرف ، للترويج الإعلامي و الشعبي ضد صعود العنصرية و الكراهية . سيدغدغ مشاعر الناخبين من الاقليات ومن المسلمين خاصة تجاه صعود الحزبيّن اليمنييتن في فرنسا ( حزب التجمع الوطني و حزب الاسترداد ) ، ولكن ،كما اعتقد ، لن تستجيب الأقليات العربية و المسلمة للنداءات التي توظّف ادعّاء الرئيس ماكرون و حزبه و الاحزاب الأخرى ،بأنهم ضّدَ العنصرية و النازية ،حيث أمام الاقليات العربية و المسلمة وغيرهم ، تجربة مواقف الحكومة الفرنسية والرئيس الفرنسي الممتنعة عن ادانة اسرائيل و العاجزة عن اتخاذ قرارات ضّدَ حرب الابادة و الاعتراف بدولة فلسطين.
السيناريو الثاني هو في تحقيق الاحزاب اليمينية المتطرفة نجاح ، و الفوز بمقاعد برلمانية كثيرة ،مما يدفع الرئيس ماكرون اختيار رئيسا للحكومة من صفوف حزب التجمع الوطني ،ولربما يختار جوردان بارديلا ،وهو الشخص القيادي الثاني في الحزب ،بعد مارين لوبن . ويعّول ماكرون على فكرة إشراكهم في الحكم للمدة المتبقة من الحكم ( سنتان ونصف ) و مواجهتهم مشاكل وتحديات وصعوبات الحكم و الادارة ، الأمر الذي يجعل الحزب الحاكم في مساءلة و مواجه مع الشعب ،تقودان إلى فقدانه لبعض من اصوات ناخبيه في الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2027. و قد مرّت فرنسا بمثل هذه التجربة ، و اطلقوا عليها ” مرحلة التعايش بين اليمين واليسار ” ، بين رئيس جمهورية من حزب ، و رئيس وزراء من حزب معارض ؛ حصلَ ذلك بين الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران حين اختار جاك شيراك ( من اليمين ) رئيساً للحكومة عام 1986. وحصلَ ثانيةً بين الرئيس ميتران و ادوارد بلدير ( رئيس حكومة من اليمين ) عام 1993.
وحصلَ التعايش ،للمرّة الثالثة بين جاك شيرك ،رئيساً للجمهورية ( من اليمين ) ، و ليونل جوزبان ( اشتراكي ) رئيساً للوزراء عام 1997 .
كما نلاحظ ، التعايش الذي شهده الحكم في فرنسا في المرات الثلاث السابقة ،كان تعايش بين حزب من اليسار و آخر من اليمين ،او بالأحرى رئيس جمهورية من اليسار و رئيس حكومة من اليمين ، وبالعكس .
هل سنشهد في الشهر القادم ،ولأول مرّة ، حكماً في فرنسا حيث التعايش بين اليمين واليمين المتطرف ؟
هل توجد قواسم مشتركة بينهما ؟
ان حدث ، و لا اتوقعه ، سيكون له تداعيات سياسية كبيرة لصالح اليسار الفرنسي في المستقبل .