الأربعاء - 24 يوليو 2024

في عيد الصحافة المزعوم..احتدام معارك الراي العام بين الحضارة والانحطاط..!

منذ شهر واحد
الأربعاء - 24 يوليو 2024

حسين الذكر ||

في واحدة من اساسيات العقل التي بموجبها لا اقبل الخبر على علاته اطلاقا وكاني اطبق نظرية النص الكريم ووصايا الوحي التي امرتنا بان لا نسمع من الفاسق : (إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) .. والفاسق هنا وفقا لمنظومة عقلي التي ارتايتها لنفسي هو رمزي احتمالي : ( فالتاريخ كتب بادوات الطغاة ولاغراض دنيوية لا إنسانية غلب عليها طابع المصالح بالقوة والترهيب والترغيب .. اذ انها البوصلة والمرشد في اغلب ذلك التاريخ .. الا ما حفظ ربي )

لا ادري لماذا اقارن بين الاحداث التاريخية المتعاقبة سيما القريبة منها .. فلم اتقبل مرور حدث ما دون خوضه مع المحيط والبيئة القريبة والبعيدة ومن ثم محاولة اعتجانه برؤية السياسية .. اذا ما اردت اجتهد بالحصول على تفسير ما للاحداث او – باقل تقدير – ان لا اتقبله رغما عني وعلى طريقة طوابير الحمير ..
توقفت طويلا عند بعض احداث القرن الخامس عشر الذي تم فيه فتح مدينة القُسطَنطينِيَّة عاصمة الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة وفقا لتسمية المسلمين .. فيما يسميه الاوربيون بسقوط وانتفاء عهد الدولة البيزنيطية عام 1453 الذي شهد بعده نهوض حضارة اوربية جديدة كانها كانت تسهم بالخلاص من الامراض البيزنطينية لارتداء حلة احدث تتسق مع العهد الغربي الجديد ..
فبعد غلق الملف البيزنطي مباشرة اعلن عن ثلاثة احداث عالمية كبرى ما زالت اثارها قائمة وفاعلة الى اليوم بل تسير على ذات هداها .. فقد بدات حملة الاوربيين للتخلص من الدويلات والحضارة الإسلامية في اوربا سيما في الاندلس والتي اعلن عن سقوط اخر معالمها 1492 حتى بدت وسوقت كانها اعمال ثارية لسقوط بيزنطة وما حدث فيها من اهوال . وقبل ذاك تم اختراع الة الطابعة على يد المخترع الألماني يوهان غوتنبرغ عام 1440 وما احدثه من هزة حضارية بتاريخ المعرفة والتعليم والاعلام والراي العام .
ثم بدات وتبلورة فكرة محاولة الإعلان عن اكتشاف العالم الجديد في أمريكا عبر حملات الاستكشاف التي اشك تماما بتاريخ إعلانها .. اذ ان العالم الغربي وفقا لمنطق التاريخ الذي قراته لا يعلنون عن الاكتشافات ولا يصدروها للاخر الا بعد سنوات وربما عقود ولمصالح غربية ذاتية بحتة وليس في سبيل الله .

يقال في التاريخ الذي فيه الكثير من (التقول ).. ان الفضل في نشوء الصحافة او ظهور بوادرها المهنية يعود الى الحضارة اليونانية وذلك لا يستبعد بناء على اباطرة العلم والفلسفة التي عاشوا فيها . فان السلطة اليونانية كانت تعلق منشوراتها على الجدران بموجب مختصين لهذه المهنة الصحفية البدائية .. وكانت تتضمن نشر بعض العليمات والقرارات الصادرة بشكل رسمي من أصحاب السلطة وكذلك مهمة تبليغ المواطنين بكل ما هو جديد . بعد ذاك تطورت الصحافة من خلال رسائل مكتوبة باليد عبر وسائط واساليب عدة .. وقطعا ان حضارات أخرى ساهمت بقدر معين لكن الاوربيون وتحديدا حضارة اليونان وبعدها الرومان هم من اخضعها لمنطق السلطة أي نجح بالتوظيف الإعلامي باحلى وابهى صوره .

ثم ظهرت الصحافة الخطية أي استنساخ المخطوطات في مدينة البندقية الايطالية وراج هذا اللون من الصحافة هناك وقد تحول الى الورقية المطبوعة بعد اختراع الطباعة التي كان لها الفضل بانتشارها عالميا وقطعا أيضا لاسباب تتعلق بالهيمنة والسيطرة وضروراتها وليس في سبيل الله . حتى ظهرت صحيفة (غزتة) في إيطاليا عام 1556 . ويقال ان اول صحيفة تكاد تكون احتوت على مهارات الصحافة الرسمية هي صحيفة جازيت دي فرانس في فرنسا عام 1632 وكانت رسمية جدا وتحت عهدت ورقابة ورعاية السلطة والملك تحديدا . اذ لا يمكن ان تترك مهمة ومهنة الاعلام بيد الصبيان اطلاقا لان الاوربيون وبالفطرة الغريزية للحكمة والعقل السقراطي الموروث وجينات الفلسفة ( علموا وعملوا وتفننوا واستقتلوا )… على ان الراي العام سلاح فتاك ينبغي السيطرة عليه بل واخضاعه للسلطة تاما غير منقوص .

بعد غزو نابليون بنوبارت لمصر الذي لا يمكن ان يات اعتباطا او مصادفة او بحركة عشوائية او اجتهاد شخصي … من قائد متهور او طاغية عميل يسخر أموال وارواح امته لاغراضه الشخصية وشهواته الحيوانية .. بل هو يمثل اداة وفكر وحركة حضارية لتثبيت مصالح امتهم المتقدمة على مصالحهم الشخصية … والا لم يصلوا الى ما وصلوا اليه .. فلا يمكن لحضارة ان تنجح وتستمر وتتطور الا عبر ثقافة الايثار والتضحية لاجل المجموع وليس شهوانية وصبيانية واستبدادية فردية .
بعد ذاك التاريخ وبفضله ولمصالح غربية أيضا ليس لها علاقة بوجه الله او سبيله … ظهرت الصحافة في العالم العربي بحلتها الاحدث اذ كانت جريدة ( التنبيه ) التي مهدت الى ظهور جريدة ( الوقائع المصرية ) الرسمية التي ظهر عددها الأول في 20 يونيو 1828 .
وعلى ذات المنوال لكنه وفقا لأغراض عثمانية سميت إصلاحية ولكنها بالحقيقة لادارة المستعمرات العربية لصالح السلطنة تم تطوير عدد من محاولات الصحافة الورقية المطبوعة حتى ظهرت جريدة الزوراء في 15-حزيران – 1869 في العراق وان بدت كانها نشرة دعائية كتبت وحررت بمستوى متدني بعيدا عن المستوى الصحفي وغلبت عليها اللغة التركية الركيكة وكذا ضمت بعض الاخبار بالعربية المتدنية . وقد تم اتخاذ تاريخ ولادة جريدة الزوراء عيدا وطنيا للصحافة العراقية وهو تاريخ لم يخضع لكثير من التدقيق والبحث الاختصاصي والمهني والتاريخي .

دعونا بعد هذه المقدمة والربط العقلي لبعض الاحداث لمن يرغب الخوض بها ويمتلك قدرة المقاربات والتفكر .. التحدث عن المعنى الحقيقي للصحفي .. وقد اطلعت وقرات عدد من تعريفات الصحفي الا اني سانقل هنا تعريف هو الأقرب للمعنى المتداول .. فالصحفي وفقا لتلك القاموسية : ( هو الشخص الذي يزاول مهنة الصحافة إما منطوقة أو مكتوبة، وعمل الصحفي هو جمع ونشر المعلومات عن الأحداث الراهنة، والاتجاهات وقضايا الناس وعمل ريبورتاجات وإعداد تقارير لإذاعتها أو نشرها في وسائل الإعلام المختلفة مثل الصحف والتلفزيون والإذاعة والمجلات وأخيرا مستجدات الصحافة الالكترونية والتواصل ) . وهو كما وضح عليه يعد تعريف تقلدي اكل الدهر منه وشرب لم يعد يتسق مع روح العصر لا من جهة المهنة الصحفية ولا التوظيف الإعلامي .. بل اخجل بصراحة ان احصر مهامي الصحفية بهذه الزاوية الضيقة .. فيما يعد الوعي الصحفي ملفا راقيا ساميا مؤثرا وخطيرا جدا بل انه يتسق تماما مع تسمية ( صاحبة الجلالة ) والسلطة الرابعة .. ورسالية المهن !
خلال تلك الحقب التاريخية والاحداث الاستعمارية للسيطرة على العالم والتحكم فيه آثرت واجتهدت ان أعرف الصحافة لنفسي بانها : ( معركة الراي العام والسيطرة عليه لأغراض تحقيق الأهداف المرسومة ) .. فلا يمكن لاي سلطة ما ان تضع منهاج حضاري والسير على خطاه الاستراتيجية وعبور محطاته والمرور بمراحله الطبيعية الا عبر تلك المعركة التي لا يمكن لها ان تتم بعيدا عن وسائل الاعلام والسيطرة عليها ) .
من هنا فان الصحافة والاعلام ملفات خطيرة جدا جدا وهي مسؤولية حكومية بحتة ان ارادت بناء الدولة على أسس حضارية جديدة لا يمكن بناؤها وحمايتها وتطويرها الا عبر مجتمع يسوده راي عام مسيطر عليه تماما ويدار باحترافية عالية يكون الوعي هو الأساس المتميز لمن يعمل فيه سيما من يتولى دفة قيادته … كي يتمكن من السير بتؤودة وثقة لتحقيق أهدافه .
عيد الصحافة مقياسه ومعياره الوحيد هو الراي العام فمتى ما تمكنا من صناعة أدوات إعلامية صحفية تتناسب مع البيئة وتتسق مع الواقع باليات عمل متيسرة سهلة بسيطة بإمكان جميع المواطنين ممارستها والابداع فيها شريطة وعي واجب كل منهم في مهمة واحدة هي حماية الامة وتعزيز قوتها ودعم اركان نهوضها .. وكما بينته وافهمه .. فان الفارق هنا كبير جدا بين العيد الصحفي الحرفي والوجه الاخر الفلسفي .