الثلاثاء - 23 يوليو 2024
منذ شهر واحد
الثلاثاء - 23 يوليو 2024

محمد الحسن ||

مات هتلر منتحرا، والقي القبض على موسوليني وهو بطريقه الى المطار، كما اعدم تشاوشيسكو طاغية رومانيا بعد القبض عليه ومحاكمته بساعة واحدة.. هؤلاء امثلة لطغاة القرن العشرين، تباينت طرق موتهم، غير أن مشتركا واحدا على الاقل بينهم: وهو انّهم لم يهربوا بطريقة ذليلة ومهينة، ربما انسحبوا بعد اليأس، ولكن لم يسجّل التاريخ حفرة احتوت احدهم!
واحد من مقلديهم في الشرق الاوسط، ابن العوجة صدام التكريتي، تعلّم من بعضهم واستعان بمعاصريه من الطغاة لقمع الشعب الأعزل، نجح في تلك المهمة واصبح مرعبا للتلاميذ والنساء ولكثير من العراقيين داخل العراق فقط، وكأنه رجل عصابة او احد شقاوات الاحياء القديمة.. صدّره الاعلام الذي يسيطر عليه على انّه (فارس وبطل) وما الى ذلك من الاوصاف التي كان مهووسا بها لانه فاقدها!
فاقد لكل شيء، حتى شرف الوظيفة فضلا عن الشرف الانساني، فصدام من اوائل المزورين في الدولة العراقية ان لم يكن اول المزورين؛ اذ وضع لنفسه رتبة عسكرية كبيرة وهو لم يخدم يوما واحدا في الجيش، واعطى لنفسه شهادة في جامعية ولم تطأ قدمه قاعة دراسية.. ومن سيرته بدأت عمليات التزوير والنصب والاحتيال في العراق، فقد كان خاله التافه خير الله طلفاح اول الساطين على الاراضي والمزارع والبساتين في تكريت وبغداد.
صار صدام غولا وهو اجبن من خروف وحيد في غابة نمور. لم يكن ذلك الجاهل عارفا بدروب ادارة البلدان او الجيوش، لذلك خرج مهزوما منكسرا من جميع المعارك التي كانت عبارة عن مغامرات عبثية لاطفاء عطشه للدم والموت.. جازف وقامر بكل شيء، فقد اوصل الجيش الى مرحلة الاذلال والانهيار، ووضع الاقتصاد العراقي في قعر الهاوية، وسلّم خريطة العراق الى لجان اممية بقيادة امريكية لتتلاعب بها كيفما تشاء، ناهيك عن فرق التفتيش التي دخلت حتى مخدعه واماكن نومه المختلفة، وقلّبت تلك الفرق الاجنبية حتى ملابسه الداخلية!
كان العراقي في عهده بين ثلاث خيارات؛ اما الموت في سجونه او مقابره الجماعية، او الهلاك التدريجي جوعا، والخيار الاخير هو الهروب الى خلف اسوار السجن الكبير!
هكذا شخص، لا يستحق ان تطلق عليه صفة “رئيس” لانّ من يحمل هكذا صفة، على الاقل يتمتع بأدنى درجة من الانجاز؛ اما هو فقد خرّب كل شيء، حتى الطبيعة قرّر ان يبيدها عندما اوصى بتجفيف الاهوار.
ماذا عن السيادة في عهده؟!
في ذلك الزمن كان العراق مرتعا لكل من يريد ان يجرّب عملا ما، فقد اعطى لتركيا حق الدخول الى العمق العراقي لمسافة تصل 50 كيلومترا، كما انعزلت محافظات الشمال، وافقرت باقي محافظات الوسط والجنوب، وانحسرت سلطته وانجازاته في تكريت وركّزها في العوجة.
وماذا عن سيادته في السماء؟! ليس هناك سماء للعراق في عهده، فمتى ما شاء اي طيار امريكي ان يجرّب طائرته، ارتقى عاليا ودكّ الاراضي العراقية!.. وفي البحر، لم يبقى بحرا، لانه تنازل الى لجان الامم المتحدة عن اكثر من نصف حدود العراق البحرية!
وهل ننسى كرامة الانسان؟!
لا، لا يمكن ذلك.. للعراقي منفذ وهدف واحد: يذهب الى الاردن ليشتغل عامل بناء او فلاح بالاجرة او خادم عند بعض اصحاب الاعمال، وليس الخروج سهلا، فكان اصدار الجواز يتطلب موافقات امنية تستمر اشهر طويلة، فضلا عن مبلغ قدره 400 الف دينار عراقي، اي ما يعادل راتب موظف لمدة عشرة سنوات (100) شهر، حيث كان راتب الموظف 4000 دينار او اقل!
وعن الكرامة ايضا، فقد ابتكر (قطع الاذن) للشباب الذين لم يلتحقوا بالخدمة العسكرية، علما انّ الالتحاق يصعب على الاغلب الاعم بسبب عدم توفر اجرة النقل!
وليس للعراقي ان يحلم بقميص جديد او قنينة بيبسي، حتى الفاكهة صارت من كماليات الحياة الزائدة!
هذا جزء يسير من صدام الذي كان يروّج على انه (البطل) المخيف.
وهل هو عكس ذلك؟
الجواب لا يحتاج الى كتابة، فصورته ما زالت حاضرة وهو اغبر اشعث ذليل تشبّع جسده بالقذارة من كل جهة.. حاك له اعوانه الهاربين حكاية ساذجة لتبرير ذلّه وقذارته، اذ قالوا انّه “مخدّر”. نكتة سمجة، فأن كان مخدرا ما علاقة القذارة التي ملئت جسمه بالتخدير؟!.. ثم لماذا لم يستخدم الامريكان نفس الاسلوب مع آخرين؟!
الحقيقة التي ظهر بها صدام هي الوجه الحقيقي لشخصيته التي تمتاز بالجبن والخوف والجهل، وهي تعكس طبيعة حياته الاولى الموصوفة بالسلب والنهب والانحطاط وكونه من بيئة رديئة تفتقد لادنى معايير الاخلاق والسلوك السليم.
مظهر صدام لحظة إلقاء القبض عليه هو الوجه اللائق به الذي يحكي عن شخصية خروف هرم في قطيع، ولا يستحق سوى المصير الذليل الذي وصله.