الخميس - 18 يوليو 2024

المنظومة ألاخلاقية..فضيلة النقاء وافتراس الأسد..!

منذ أسبوعين

حسين الذكر ||

حينما تذهب الى السوق وتجد البقال يعرض بضاعته بوجه ما ويبيعك من وجه سيء آخر .. حينما تذهب للطبيب وينظر الى جيبك قبل حالك وصحتك .. حينما يحلف الحرفي اغلظ الايمان لغرض الغلبة ولو بمقدار ( فلسا ) .. حينما تذهب الى المدرسة فتجد الملاكات التعلمية والإدارية مشغولة بالتك توك والفيس والتواصل اكثر من اهتمامهم بتطوير الأجيال .. حينما تنتشر مصادر الرذيلة وتغزو المجتمع ك( فر الذئب على الأغنام) بلا رادع لا مراقبة .. حينما ترى الفقراء في عالم الاجهاد والإحباط فيما المترفين يستلذون بآهات الاخرين .. حينما يحدث ذلك في بلاد الله وتحت مسمع ومرآى عباد الله .. فاعلم ان هناك خلل بالمنظومة الأخلاقية المتحكمة .

في حوار بين صديقين عارفين وبنوايا حسنة .. قال احدهم : ( استغرب من حال القطيع التي لا تمجد الا طغاتها وان استعبدهم واستباح كل شيء فيهم .. الادهى انهم يبقون على ذات التمجيد حتى بعد كشف امره وزيف شعاره ونهاية مشواره ) .
فقال الاخر : ( ربما لانهم ندموا على رحيل الأسد .. الذي كان وجوده مانعا لتسلق القردة والذئاب والكلاب ) .
فرد الأول : (ان ما ذهبت اليه يا صديقي ذات أوجه .. فيجب ان يكون الأسد (اسداً) حقيقيا لا مصنوعا مفصلا لمرحلة ولاهداف تستخدم ضد مصالح الامة .. وان لا يكون اسدا على اهله وشعبه .. وصرصورا امام اعدائهم .. ثم ان الحكماء مجدوا ( الاسد) ليس لوحشيته وقسوته .. بل أرادوا فضيلة القوة .. فان كان راس الحكمة مخافة الله .. فان الفضيلة هي ذروة العقل الجسدي والروحي ).

رحم الله أبي الذي غادرنا منذ ثلاثة عقود .. وقد حط في العاصمة بغداد بعد الحرب العالمية الأولى مهاجرا اليها من جنوب العراق حيث موطن الحضارة والقيم والأخلاق والشيم والرجولة والدين … التي احالها الاستعمار واذنابه الى اقطاعيات تستعبد الناس .. مما اضطر الملايين لترك اهليهم واراضيهم وذكرياتهم … بحثا عن الكرامة والحرية بمعاقل أخرى .
من ذكريات ما اذكره عن ابي رحمه الله .. كان رجلا لا يقرا ولا يكتب لكنه يحفظ القران بصدره .. لم يؤذِ احد ولم يتخاصم مع جار في العمل او السكن لم يخون ولم يشغله من توافه الدنيا شيء .. ظل مواطنا صالحا لم يعرف من بغداد التى قضى جل عمره فيها الا العمل والبيت ودور العبادة .. كل ما لحق أولاده واحفاده من فضل وخير هو من فضله وكذا الوالدة رحمهما الله بعد فضل الله . ..
في أيام العسكرية والضيم الثمانيني الذي استعر بناره الشعب فيما استظل بامتيازاته آخرون .. كلما عدت مجازا الى اهلي ليلا وجدت والدي قائما يصلي لم اره بغير ذلك المنظر الخاشع المهيب .. حتى انتقل الى جوار ربه مؤمنا مظلوما صابرا محتسبا بين يدي خالقه .
سمعته مرة يحكي لنا انه استحسن طبيبا .. من أيام زمانه كان يسميه ( حكيما ) بمعنى الحكمة والإنسانية والرحمة والمعرفة والاختصاص والمواطنة التي يتحلى بها .. اذ كان حكماء ذلك الزمان يتحسسون الآم الشعب ويتعايشون معه قدر الإمكان لانهم قادة مجتمعيون يمارسون مهنة الطب كحكمة ومسؤولية وخلق لا مجال للارتزاق فيها ولا يشغلهم عن أداء الواجب شيء يخص مصالحهم الضيقة .. يقول والدي : ( في احد الأيام اخذت صاحبي المسن وكان يشكو علل ما الى ذلك الطبيب ، بعد فحصه سال المريض ما بك يا حاج : فقال ( اشكو ضعف بصري ) فقال الطبيب : ( بسبب الكبر ) .. ثم قال المريض : ( اشكو قلبي ) .. فقال الطبيب : ( بسبب الكبر ) .. فقال المريض اشكو مفاصلي . فقال الطبيب : ( بسبب الكبر ) .. عند ذاك أستاء المريض من تكرر مفردة الكبر ، فهزأ بالطبيب قائلا : ( بعد ان مد لسانه وفتحه فمه وابرز اسنانه : ( تي تي تي ) .. فرد عليه الطبيب بسرعة وبديهية : ( وهذا أيضا بسبب الكبر ).