الخميس - 18 يوليو 2024

 هل الشعائر الحسينية ترفا دينيا؟!

منذ أسبوع واحد
الخميس - 18 يوليو 2024

مهدي صالح حسن ||

يرى بعضهم ان ممارسة الشعائر الحسينية اصبح اشبه بالممارسات الروتينية.
اذ ان الشعائر بحسبهم: لم تغير في العديد من الظواهر السلبية في المجتمع فما الداعي لها ؟
خصوصا اذا ماعرفنا ان هناك الكثير من البدائل التي يمكن ان تكون ذات تاثير ايجابي اكبر في المجتمع لاتتعارض مع الدين والاعراف الاجتماعية .
من قبيل استغلال شهر محرم لتقديم المساعدة للفقراء والمعوزين بدل ان تذهب ملايين الدنانير إلى ممارسات ليس فيها اي مردود اقتصادي بل لعلها تستنزف امكانيات المجتمع والدولة .
كما يمكن ايضا ان توجه عواطف المجتمع نحو مواضيع اكثر نفعا كتحريضه على المطالبة بحقوقه وممارسة النشاطات الديمقراطية لنيلها بدل الاستغراق بالبكاء واللطم !
يضاف الى ذلك ان بعض الشعائر تستفز مشاعر طائفة كبيرة من المجتمع المسلم في العراق وخارجه, فضلا عن الانتقادات التي تتسبب بها للطائفة التي تمارسها من طرف باقي شعوب العالم ,واستغلالها بشكل بشع من قبل السياسيين في صراعاتهم من اجل المناصب .
وهناك كم هائل من الاشكالات والشبهات تثار كل عام مع بداية كل شهر محرم، ولست هنا بصدد احصائها اوتفصيلها وإنما انا بصدد عرضها إجمالا.
وبطبيعة الحال للجواب على تلك الاشكالات والاسئلة لابد من مقدمات.
اذ ان بعضها ينبعث من جهل بسيط واخرى من جهل مركب.
وقسم منها ينطلق من موقف ديني او طائفي او فكري معادي لذلك سيكون الكلام على شكل نقاط :

النقطة الاولى :لابد اولا من تقديم مقدمة بخصوص المناسبات والاحداث التاريخية و الدينية.
اذ اننا ينبغي ان نعرف ان لإغلب شعوب العالم مناسبات تحتفي بها وطقوس تمارسها ,قد يكون بعضها قديمة وبعضها الاخر ابتدعت حديثا لايتخلف عن ماذكرته حتى الشعوب الغير متدينة، فهي ايضا لديها مناسباتها التاريخية والوطنية والثقافية التي تحتفل بها كل عام .
كما ان لكل امة و شعب رموز تاريخية مقدسة ,تحترمها وتقيم الاحتفالات في الذكريات والاحداث المتعلقة بها.
وهذا الامر موجود عند اغلب الشعوب سواء كانت تلك الشعوب غنية او فقيرة متقدمة صناعيا او متاخرة .
ولايخفى على الجميع ماذا يحدث في مراسيم رأس السنة الميلادية في اغلب دول العالم من احتفالات ومهرجانات تستمر لايام وتستنزف مليارات الدولارات من الدول والشعوب.
مع انها تصنف كحدث ديني، فأعياد رأس السنة الميلادية انما تقام تيمنا بميلاد السيد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام.
هذا فضلا عن امثلة اخرى من المناسبات عند باقي الشعوب الغير مسيحية، اذ يشترك اغلب افراد تلك المجتمعات والشعوب باختلاف احوالهم المعيشية في تلك الاحتفالات ويبذلون اموالا طائلة وجهودا كبيرة في سبيل احيائها .
والشعوب المسلمة كغيرها من الشعوب لديها طقوسها ومناسباتها التي تحرص على احيائها كالحج وشهر رمضان وولادة الرسول الاعظم والائمة الاطهار وغيرها من الاحداث التاريخية .
وكذا الحال بالنسبة للشيعة باعتبارهم طائفة أسلامية، اذ يحرصون على احياء المناسبات الاسلامية العامة ومناسبات خاصة سميت بالشعائر الحسينية.
وتتضمن عدة نشاطات كإقامة المحاضرات الدينية للوعظ والارشاد والتعريف بقضية الحسين عليه السلام وواقعة كربلاء ومايتعلق بها من مقدمات تاريخية ودروس وعبر.
بالإضافة إلى إقامة مجالس العزاء التي تتضمن قراءة الاناشيد الحزينة واللطم والتطبير وضرب الزنجبيل، فضلا عن نصب مواكب العزاء في الشوارع لتقديم الخدمات المجانية للمشاركين في الشعائر ورفع الرايات السوداء فوق البيوت وفي الشوارع ,وغيرها من الممارسات التي باتت معروفة بفعل التقدم التكنولوجي عند الكثير من الشعوب.
اذ يعتقد الشيعة برجحانها واستحبابها ويحتجون بادلة من الكتاب والسنة على ضرورة اقامتها ويذكرون لها فوائد اجتماعية وانسانية وعقائدية منها :
١.ان اقامة الشعائر ضروري لتذكير المسلمين جيلا بعد جيل بحدث ومفصل مهم من مفاصل التاريخ حيث تعرض ابن بنت نبي الاسلام الامام الحسين عليه السلام هو وعائلته واصحابه للابادة، و قتلوا بصورة بشعة لمجرد انهم رفضوا القبول بطاعة حاكم ظالم جائر الا وهو يزيد بن معاوية الذي كان يمثل في حينه الحاكم الاعلى للدولة الاسلامية التي اسسها النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم.
٢.ان في احياء واقعة كربلاء دروس وعبر كبيرة للانسانية جمعاء من خلال مااظهر الامام الحسين عليه السلام من شجاعة وصبر وصمود وتضحية في سبيل مبادئه فضلا عن الأخلاق العالية والانسانية التي بذلها مع اعداءه.
٣. واقعة كربلاء بالاضافة الى كونها تستعرض كمية الخير والحب التي يمكن ان يكتنزها الانسان تستعرض في جانبها الاخر كمية الشر والسوء التي يمكن ان يستبطنها الانسان .
٤.ان الشعائر تعزز الجانب الانساني وتساهم في بث روح التعاون بين افراد المجتمع فهي بطريقة واخرى تساهم في تربية المجتمع على الشجاعة والكرم والايثار .
٥.الشعائر تظهر مدى الحب والطاعة التي يكنها المسلمون من اتباع اهل البيت عليهم السلام لدينهم وقادتهم .
وفوائد ومنافع كثيرة يذكرونها سااذكر بعضا اخر منها لاحقا .

النقطة الثانية :وسااتطرق خلالها الى الاستغلال السياسي والاستفزاز الطائفي والضرر الاقتصادي الذي تسببه الشعائر .
طبعا الاستغلال السياسي للدين موجود منذ وجود الدين فالسياسة لاقلب لها وهدف السياسة الرئيس الوصول لاهدافها بغض النظر عن الوسيلة هذا ماعكسته الممارسات السياسية للانظمة باختلاف اشكالها منذ القدم، ورغم ذلك لم تمنع الشعوب والمتدينين من الالتزام باديانهم ومعتقداتهم فالاديان لايمثلها السياسيين بل حتى المتديينين والمعتقدين بها انما تتمثل بسير قادتها ومؤسسيها وكتبها السماوية والمقدسة .
والاستغلال السياسي ليس مقتصر على الدين فالسياسة تستغل كل ماتؤمن به المجتمعات وتقدسه من اعراف وثقافات .
فمن هذه الناحية السبب ليس في الدين او شعائره وانما في من يستغله كما ان ضعف ايمان المومنين بسبب ممارسة المستغلين انما يؤشر خلالا في ايمانهم وجهلا في معتقداتهم .
اذ ليس من المنطق ان يكون اشتراك الصالح والطالح في نفس العقيدة والعمل سببا لترك الصالح عقيدته الصالحة او لعمل الخير !
اما بالنسبة للاستفزازات التي يسببها الاحتفاء ببعض المناسبات الدينية والتاريخية فهي موجودة بين اغلب الدول والشعوب فاليهود مثلا يستفزهم احتفال المسيحيين بميلاد عيسى الذي لايؤمنون بنبوته وكذا الحال بالنسبة للمسلمين مع باقي اتباع الاديان التي لاتعتقد بالاسلام .
كما ان الامر غير مقتصر على المناسبات الدينية بل يتعداه الى المناسبات الوطنية والاجتماعية لوصح التعبير فبعض الانتصارات العسكرية التاريخية التي تحتفل بها بعض الدول والشعوب على شعوب اخرى تعتبر من وجهة نظر الدول والشعوب الخاسرة استفزازا !
وغيرها من الامثلة كإحتفال بعض الشعوب والدول باستقلالها عن دول وشعوب كانت تابعة لها .
فضلا عن الاحتفالات بفوز الفرق والأندية الرياضية ومما تتركه من أثر وخلافات بين الشعوب بل وبين أفراد الشعب الواحد بل لعله العائلة الواحدة.
والامثلة المتقدمة تبين ان ليست كل حادثة تشكل استفزازا او حساسية بين الشعوب والدول والاديان والطوائف ينبغي ايقافها او تجميدها، خصوصا اذ عرفنا ان الاحتفال بالمناسبات الدينية يمارس من قبل جميع الاديان والطوائف ولايوجد دين او طائفة تتطابق تماما مع الاخرى والا فما الداعي الى وجودها اصلا فالاختلاف الديني امر طبيعي .
نعم من وجهة نظري اذا كانت مثل تلك الممارسات تؤدي الى الحروب والتقاتل والخراب حينها ينبغي النظر فيها وهذا الامر يقدره كبراء كل دين اوطائفة او دولة وليس لنا تقديره بطبيعة الحال .
من هنا فلااشكال في اقامة الشعائر الحسينية في الدول والمناطق التي تسمح بها خصوصا اذا كان هناك نظام ودولة تعترف بحقوق جميع الاديان والطوائف وتسمح بممارستها لشعائرها وطقوسها وتعمد الى المحافظة على السلم الاهلي والمجتمعي اثناء ادائها.
ثم ان الشعائر الحسينية تمارس في العديد من الدول الاسلامية منذ مئات السنين فمن هذه الناحية استطيع القول ان اغلب الشعوب المختلطة طائفيا تكييفت على وجود مثل تلك الممارسات بل انها في بعض الدول صارت سببا للتقارب بين الطوائف الدينية.
بقية نقطة الا وهي الضرر الاقتصادي الذي تسببه الشعائر الحسينية طبعا في المفهوم الديني: ان كل عمل قد ندبت له الشريعة يبذل الانسان جهده وماله في سبيله هناك اجر اخروي اي في الاخرة التي يؤمن بها المؤمنين بالانبياء والرسل بل حتى غير المؤمنين بالله يعتبرون البذل في سبيل رفعة مايعتقدون عمل ممدوح.
فانفاق الاموال في سبيل احياء او تطبيق بعض الاحكام او النشاطات الدينية ليس منحصرا بالشعائر فهنالك الحج مثلا والزكاة والخمس والصدقات .
وبطبيعة الحال ان بعض تلك الاحكام واجبة اي ان عدم القيام بها يقدح في عقيدة المؤمن وبعضها مستحبة .
والاعمال المستحبة انما تكون طوعية فالشعائر طوعية وليست اجبارية وكذلك بالنسبة للبذل في سبيل اقامتها فالناس انما يقومون بها طوعا وينفقون عليها عن نفس راضية.
وبالتالي لايحق لنا ولا لغيرنا ان نكون قوامين على الناس في كيفية انفاق اموالهم خصوصا اذا علمنا ان تلك النشاطات التي تمارس والاموال التي تنفق ليست عبثا، فهناك اجر وثواب اخروي يعتقدون بنيله وفوائد جمة ذكرنا بعضها فيما تقدم ولابأس ان نمر على بعضها الاخر ولعل اهمها :
اولا:ان الشعائر بالاضافة الى ماذكرناه سابقا من اهميتها في احياء حدث تاريخي مهم، لها اثارها المعنوية والبدنية الايجابية فاللطم والمشي مئات الكليومترات للزيارة واعداد الطعام وتقديمه تعزز سلوكيات صحيحة لدى الفرد كالصبر والكرم والايثار والتضحية والتعاون والتواضع .

ثانيا : انها تمثل تحديا للظالمين والفاسدين ولكل سلطة جائرة .

ثالثا :الشعائر تقدم نموذجا فريدا للتكافل الاجتماعي والتعاون بين افراد المجتمع فايام شهر محرم الحرام وشعائره توفر لملايين الفقراء في العالم مالا يستطيعوا ان ينالوه في باقي ايام السنة مجانا فهي من هذه الناحية انما تكون في صالح الفقراء والمعوزيين ولاتشكل اي ضررا اقتصاديا على العكس تماما فهي تساهم في انهاء الطبقية وتوفر مالاتستطيع الحكومات توفيره لشعوبها .

رابعا :ان اقامة الشعائر يساهم في تحريك الاقتصاد فالاسواق خلالها تشهد حركة تبضع كبيرة وهذا بحد ذاته مكسب كبير لاقتصاد الدول .

خامسا:ان اقامة الشعائر لايمنع عن اعمال الخير الاخرى بل ان الشعائر تعزز جانب الخير في الفرد وتزيد من عطاءه وبذله ثم ان اقامة الشعائر كاللطم والبكاء يرفع من مستوى الحماس لدى الافراد باتجاه التعامل مع قضاياهم الحقة وليس العكس فهي مقدمة لتحريك المجتمع وافراده نحو المطالبة بالحقوق وعدم السكوت عن غمطها، لاسيما وان الشعائر تقام لاحياء ثورة كبرى ضد الظلم بكل اشكاله.
فما الداعي لالغائها او استبدالها مادام مؤداها هو تحرير الشعوب من سطوة الانظمة الظالمة الفاسدة ؟
وختاما :
لعل الحروب والارهاب والظلم والفساد الذي تعيشه بعض الشعوب كالعراق احد الاسباب الرئيسية التي تدفع البعض باتجاه التشكيك بجدوى الشعائر خصوصا اذا علمنا ان هناك اشباع حصل للمجتمع من الشعائر بعد سنوات طويلة من الحرمان من ممارستها، ولربما يعود السبب في ذلك الى عدم تنظيمها، فكثرة ممارسة اي عادة او نشاط يسبب الملل وهذا الامر لايختص بالشعائر الحسينية فقط بل حتى بالعبادات الاخرى وهذا الامر لايستلزم الغائها او اي عبادة اخرى وانما تقنينها ثم ان التطبيقات الخاطئة موجودة في معظم العبادات والممارسات !
اما فيما يخص التكامل الاخلاقي للمجتمع فالشعائر كغيرها من العبادات التي تقوم سلوك الانسان يختلف تاثيرها من فرد لاخر ومن مجتمع لاخر وذلك تبعا للظروف المحيطة فكما ان الشعائر ممارسات تسهم في اصلاح المجتمع هناك عشرات بل مئات الممارسات المتاحة والتي يدفع المجتمع باتجاه ممارستها تساهم بابتعاده عن جادة الصواب.
فصراع الحضارات وسعي كل حضارة وثقافة الى الغاء الاخرى واستبدالها قائم، بل هو موجود اي الصراع داخل كل بيئة اجتماعية.
فالخير والشر موجودان في كل المجتمعات وقد لاتشعر بعض المجتمعات بجدوى المسير في طرق الخير بسبب كثرة مسيرها في طرق الشر.
فرين الحروب والفقر يحتاج الى سنين طويلة لازالته كما هي الذنوب فهي لاترتفع باول صلاة .