الخميس - 18 يوليو 2024

البصيرة معيار الإنتماء لمدرسة الحسين”عليه السلام”

منذ أسبوع واحد
الخميس - 18 يوليو 2024

كوثر العزاوي ||

أنّ إحياء ذكرى فاجعة الطف تنطلق من البصيرة لا البصر، يؤكد ذلك قول الأمام الصادق “عليه السلام”:{إذا هلّ هلالُ المحرّم نشرت الملائكةُ ثوبَ الحسين وهو مخرّقٌ من ضرب السيوف وملطّخ بالدماء، فنراه نحنُ وشيعتُنا بالبصيرةِ لا بالبصر، فتتفجّر دموعُنا} من هنا نفهم، أنّ في البصيرة تكمن القيمة العليا التي يتمتع ويرتقي بها أولياء الله الصادقين المخلصين، فالبصيرة بمعناها الأعمق، هي المعرفة القلبية المستنِدة إلى نور العقل السليم والقلب السليم، فبها تضمَن الأعمال ويبلغ الإنسان الكمال، ودورها كبير ومهم جدا في النجاة من مطبّات الجهالة وحيرة الضلالة! لذا ينبغي لمن يتأثر بشهرَي الأحزان وعلى ضوء نور البصيرة، أن يكون ذلك الحسينيّ الذي ينطلق من نبذ أناهُ، ويسعى الى الإصلاح، وأن لايكون عبدًا للدنيا، ولايكون الدين لعقًا على لسانه، لانّ الإنتماء إلى الحسين “عليه السلام” لايتحقق إلّا بالتنازل عن كل مالهُ علاقة بالنفس والهوى، وأن يخلع كل أنانيته ليقترب من سيد الشهداء، فهو مدينة الحب والصدق والفناء، وطوبى لمن فرّ من أناه، وهجر قفص ذاته وهواه، وأصبح حرّا بلا أغيار! مولِجًا مدرسة القيم ومدرسة التضحية ومورد إلهام الأرواح، فمن يريد أن يقترب حقًا من سيد الشهداء لايكفي أن تكون عينهُ دامعة ويدهُ لاطمة وجبينهُ يتصبّبُ عرَقًا، بينما تجد لسانهُ سليطًا وقلبه غليظًا وطبعه فظًا، يخشاه الناس لشدة عريكته، ولعلّ مثل هذا الإنسان لم يتعلّم درسًا في مدرسة الحسين؟! ومن لا يستطع أن يأخذ من مَعين الحسين معاليَ القيم، ولا يغترف من نبعِه جواهر الحِكَم، ولا يتهذب بمعاني السلوك الحسيني، فهو ليس قادرًا على بناء ذاته وصون أمّتهِ، وقيادة مجتمعه، وإصلاح دينه ودنياه، وبالتالي فهو لم يقترب ولا قيد أنملة، لأنّ الحسين هو ثورة القيم والفضيلة، ثورة العطاء والفناء، لا ثورة الأنا والذات، كما أنّ فاجعة كربلاء جسدت معاني قيم المظلوم الشهيد أبي الأحرار “عليه السلام” الذي ذهب شهيدًا في صحراء كربلاء مع ثلة من أصحابه وأهل بيته حتى الرضيع، ليؤكد للعالم، بأنّ هذه القيم التي حملها قد انتصرت في وقتها، وامتدّ نصرها بخلودها إلى يومنا هذا، فكان انتصار الدم على السيف، والفضيلة على الرذيلة، الرذيلة التي كان يحملها يزيد وأتباعه، والذي تمخض عنها فجائع حرب آل محمد بقتلهم الحسين والاعتداء على حرماته وهو الإمام المعصوم، لذا لابد أن نتأسى بقيم ومبادئ الحسين التي أرسى قواعدها دم نحره الشريف في يوم عاشوراء، كما إن إدراك أبعاد وعمق كربلاء تشكّل باكورة الانتماء الحقيقي لنهج الحسين “عليه السلام” ونحن نأمل في كل عام، ان تكون كل بقعة وكل مقام ومكان تنعقد فيه مراسيم العزاء مدرسة إسلامية حسينية، تعلّمُ الناس والأجيال الأسلام الحقيقي، والدور الصحيح للقضية الحسينية في حياة الشعوب والأمم، حتى يكون لكل فرد حسينيّ، القدرة على التمييز، فليس كل من ادّعى الإصلاح فهو مصلح جدير بالإتباع! وليس كل مَن لم يتمكّن مِن الظهور في ساحات الشعائر والخدمة الحسينية تحت ساطع الأضواء هو ممّن انكر وتنكّر للحسين وقضيتهِ الخالدة! كلا فالميزان هنا هو البصيرة، والمعيار الخلق الحسينيّ لمعرفة أتباع الحسين “عليه السلام” أولئك الذين تأهّلوا إلى مقام { مارأيت أصحابًا خيرًا من أصحابي..} فتعرّفوا إلى صفات أولئك الصحبة وابحثوا في سيرتهم، كي تدرِكوا الفارق بينهم وبين الذين غرتهم الدنيا بالمطامع المادية وزخارف العيش، وعشق الأضواء، والشهوات والأهواء النفسية، فباعوا حظهم بالأرذل الأدنى!! ثم بعد ذلك سيبرز الدور المهم والخطير لمجالس العزاء من خلال تسليط الضوء على محطات عاشورائية تنطوي على معانٍ ذا مغزى عميق وهي جديرة بالتأمل والوقوف عندها طويلًا.

٢-محرم-١٤٤٦هجري
٩-تموز-٢٠٢٤م