الجمعة - 19 يوليو 2024

كاتدرائية نوتردام..احترقت قبل الف عام !!

منذ 3 سنوات
الجمعة - 19 يوليو 2024


د محمد القريشي ||

حزنت قلوب كثيرة،بحريق كاتدرائية نوتردام الشهيرة الاخير ، ولكن الكثير لا يعلم عن، قلبين احترقا تحت قبة هذا المقام قبل حوالي الف عام !!
قلب النبيل ، الفيلسوف، المتدين، پير أبـِلار ،Pierre Abélard ؛الذي تولع فؤاده بحب تلميذته الجميلة إلواز عام 1113 م، حفيدة أحد القائمين على كاتدرائية نوتردام!! ..
لم يكن أبلار ، محباً لمحاسن الحياة بطبعه، ولا شغوفاً بملذاتها، ولكنه وجد لدى إلواز من جمال أخاذ، و أدب رفيع ، وولع مبهر بالعلم، فخُطِفَ بصره ، وسُلِبَ عقله، فتغير طبعه وطفحت رجولته .
وقبل ذلك ، أراد له والده، ان يحذو حذو النبلاء، في عصره ، بانخراطه في العسكرية، ولكنه احب العلم، وقرأ اللاهوت حتى قام بتدريسه في، باريس خلال القرن الثاني عشر ،وأسس مع اثنين من زملائه، مدرسة، ذاع صيتها وعلا مقامها حتى أصبحت،، جامعة باريس فيما بعد.
عاش ابلار مع الواز ، قصة حب ساخنة وخفية ، وجاء وليدهما، جميلاً ، بجمال إلواز، وصامتاً في غالب وقته، كصمت أبيلار وتأمله ..، وبعد ان حمي وطيس الحب بين الاستاذ المتدين وتلميذته ، طلب الزواج منها، ولكنها مانعت حبا له ، كي لا تحرمه فرصة الحصول على منصب القس، عندما كانت الكنيسة تشترط على الطامحين بتلك الدرجة من المتزوجين ، أن تترهب الزوجة، ولم تكن إلواز مستعدة لتصبح راهبة وتنتقل الى الدير ،وتفارق رفيقها وابنها على هذا النحو… ، عرضت عليه أن تبقى عشيقة، ولكنه اصر على الزواج … ،قررا عقد القران في الخفاء، حسب المقولة الفرنسية الشهيرة، ( نعيش جيدا .. نعيش في الخفاء vivons bien , vivons cachés ). …..ولكننا ، نتحدث عن قصة حب، تجري وقائعها ، بين اروقة الكنيسة، وفِي قرونها الوسطى، وأجوائها الموغلة بالوشاية والحسد وكبت النفوس والأجساد ..
علم “فولبير”، عمّ إلواز، بخبر حبهما، وزواجهما الخفي، فاستشاط غضبًا، واستأجر، جمعا من الرعاع ، هاجموا منزل، أبيلار وعذبوه واقتطعوا ذكورته.
أحس أبيلار بالمهانة ، وضياع ، سمعته بين الناس، لدرجة صار اسمه مضغة في أفواه الأجيال المقبلة فدخل في صومعة الحزن والندم …. ،ولكنه اعتبر هذا السقوط، قسطاً من العدالة الطبيعية، التي أجتثت من لحمه ذلك الجزء المذنب!!
هام على وجهه ، وانخرط في الكنيسة راهباً ، متعبداً، ودخلت إلواز ، دير الراهبات، معتكفة وزاهدة، بعد ان امرها بلبس النقاب والترهب.
وفِي عزلته ، ابدع أبلارد في عصف افكار العصور الوسطى الأوروبية، وحفر في المنطق واللاهوت. حث على استعمال المنطق من أجل فهم الدين المسيحي، والدفاع عنه، وألَّف كتباً عدة، أهمها كتاب يدعى “نعم ولا” يتضمن الآراء المتضاربة للسلطات اللاهوتية في مختلف المسائل والمبادئ الدينية، حتى صار من المؤسسين لنهج المناظرات الفلسفية للعصور الوسطى الأوروبية .
وفي الفترة التي قضاها رئيساً لدير القديس جلداس وكتب فيها سيرته (تاريخ مصائبي) 1132، علم ان إلواز ومن معها من الراهبات يبحثن عن مكان لهن جديد، فعرض عليهن مصلى (الروح القدس) ومبانيها ؛ وذهب بنفسه ليساعدهن على تنظيم إقامتهن في مقرهن الجديد. وكثيراً ما كان يزورهن ليعظهن ويعظ القرويين الذين أقاموا بالقرب منهن. وصل الى مسامع إلواز مقولته بشأن ما آلت اليه الامور ( وهمس النمامون أنني لا زالت تسيطر عليّ مباهج الحب الأرضي، وأنا الذي لم أكن أطيق في الأيام الخالية أن أفارق من امتلئ قلبي بحبها).
فكتبت له من صومعتها :
(إلى سيدها، بل أبيها، إلى زوجها، بل أخيها: من خادمته، بل أبنته، عن زوجته، بل أخته: إلى أبلار، من إلواز: “لقد جيء إلي، مصادفة منذ زمن بخطابك الذي كتبته يا حبيبي تعزية إلى صديق… وقد حوى أشياء لا يستطيع أحد أن يطلع عليها دون أن تفيض عيناه بالدمع لأنها تجدد أحزاني كاملة… فباسم الله الذي لا يزال يرعاك… باسم المسيح، ونحن خادماته وخادمتك، نستحلفك أن تتفضل، فتخبرنا في رسائل منك متتابعة عن المصائب التي لا زالت تتقاذفك، حتى نشاركك على الأقل في أحزانك ومسراتك، نحن الذين بقينا على الدوام أوفياء لك… “أنك لتعرف يا أعز الناس علي – وأن الناس كلهم ليعرفون- ماذا خسرت بفقدك… لقد بدلت ثيابي وقلبي طوعاً لأمرك، كي أظهر لك أنك مالك جسمي وعقلي… ولم أكن أتطلع إلى عهد الزواج، أو إلى مهر تمهرني به… وإذا كان اسم الزوجة يبدو أكثر قداسة وأقوى رابطة، فأن أحب إلي، اسم الصديقة منه وأعذب على الدوام؛ أو، إذا لك يكن في هذا ما تستحي منه، اسم العشيقة أو العاهرة… وأني لأشهد لله لو أن “أغسطس” الذي حكم العالم كله, رأى أني خليفة بأن يكون لي شرف الزواج به، وأن يملكني العالم بأسره أحكمه حكماً يدوم أبد الدهر، لكان قولهم أني, مومسك, أحب إلى من قولهم أني إمبراطورته… “وهل بين الملوك أو الفلاسفة من يضارعك في شهرتك؟ وأية مملكة أو مدينة أو قرية لم تتحرق شوقاً لرؤيتك؟ ومن من الناس, لم يستحث الخطى لينظر إليك، حين تبدو أمام الجماهير؟… وأية زوجة، وأية عذراء، لم تتلهف عليك وأنت غائب، أو تتحرق شوقاً إليك وأنت حاضر؟ وأية ملكة أو سيدة ذات سلطان لم تحدني على مباهجي وفراشي؟… “هلا حدثتني عن شيء واحد أن استطعت: لم أهملتني ونسيتني، بعد أن سلكت سبيل الحياة الدينية, التي كنت أنت دون غيرك الآمر بها، فلم أحظ بعدئذ بكلمة منك أو نظر إليك تبتهج بها نفسي، أو رسالة منك في غيبتك يرتاح لها قلبي؟
ألا فحدثني عن شيء واحد لا أكثر أن استطعت، أو دعني أفض إليك بما أحس به، بل ما يظنه الناس جميعاً: أن الشهوة الجنسية لا الحب هي التي وثقت الصلة بيني وبينك… فلما أن نلت ما تبغيه، زال من فوره كل ما كنت تتظاهر به… ليس هذا يا أحب الناس إلي هو أظنه أنا وحدي، بل ما يظنه الناس جميعاً… وكم كنت أتمنى أن يكون هذا لى دون غيري، وأن يجد حبك من يبرره غيري فخف بذلك بعض الشيء لواعج أحزاني.”)
أتوسل إليك أن تستمع لما أطلبه إليك… في الوقت الذي أخادع نفسي في بوجودك معي في ألفاظك المكتوبة على الأقل – وهي ألفاظ لديك منها الشيء الكثير- أهد إلي صورتك الحلوة… فأنا أستحق منك أكثر منها… بعد أن فعلت من أجلك كل ما يمكن فعله… أنا التي غويت حياة الدير الخشنة في سن الشباب… لا عن تقوى وحب الدين بل إطاعة لأمرك لا لشيء سواه… ولست أنتظر ثواباً من الله على هذا العمل، لأني لم أعمل شيئاً لوجه الله كما تعرف ذلك حق المعرفة… ولذلك أستحلفك باسم الذي وهبت له نفسك، وأتوسل إليك أمام الله أن تعيد إلي وجودك بأية وسيلة في استطاعتك، ولو بكلمة منك تخفف عن آلامي… وداعاً يا كل من أحب!!